فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 598

فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام. فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى يا معشر قريش: إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم. وانتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الركن فاستلمه وطاف بالبيت، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وأولاده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته" (12) . لقد سأله بن حارثة الخادم المحب الذي فضله على أبويه، وهو في حيرة من أمره بعد أن رأى شدة الإيذاء الذي تعرض له الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسيًا وجسديًا، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قطع ستين ميلًا ماشيًا في طريق العودة إلى مكة بعد أن تجاوز الخمسين من العمر. سأله زيد"كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك، يعني قريشًا، فقال: [يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه] (13) . كانت الثقة تملأ قلب النبي، وكان قد قال للمشركين حتى ـ لو وضعوا الشمس في يمينه، والقمر في يساره لن يترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو يهلك دونه ـ ولم يتغير العهد. فما قيمة الحياة دون هدف إنساني كبير تُشدُّ من أجله الرحال، وتبذل الأموال والدماء، وتنعم في ظلاله الأرواح. ما هذه الغابة الإنسانية، التي لا تلد إلا الوحوش في غياب المربي الصالح، في غياب تحليق الروح وتألقها، ونشرها لدين المحبة والرحمة بين الأجيال؟. أي طعم سيكون لحياة النمل، ودول النمل البشرية، التي لا تتصرف إلا بوحي من غرائزها؟. الموت أفضل، إن لم تعط الروح فرصتها وكأسها وشرابها لتنشد أغاني الحب، وتعيد رسم صور الجمال والإبداع، وتجعل سباق المتسابقين في دفء القلوب وسرعة نبضها، لا في الصراع والقتال والظلم، والانحدار وراء الغرائز، وإنما في إشراق الروح الإنسانية، ليكون الإنسان مقدسًا، وتكون السيوف مناجل، والعقول مشاتل لغرس المعرفة والرحمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت