فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 598

لقد انتصرت المادية بسبب الأجوبة الخرقاء لمعسكر المثالية، يضاف إلى هذا أن المثاليين كما قال إنجلز كانوا ـ مثاليين من فوق وماديين من تحت بمعنى أن سلوكهم لم يكن مطابقًا لمبادئهم، فمن يؤمن بالله عليه أن يعمل بوصايا الله. وظلّت الفلسفات المثالية تحاول أن تفصل بين الله والعالم، وأن تثبت أن الروح سبقت الطبيعة. وظلّت الإجابة متعثرة على سؤال: من أين جاءت الطبيعة إذن ما دامت غير موجودة في الأصل؟. وهل يصح الخلق من العدم. أي إيجاد الطبيعة من اللاوجود؟. لقد ضاعت الفلسفات المثالية بين رغبتها في تنزيه الله إلى الحد الذي لا يقبله منطق العقل، ولا يتفق مع ما ورد في الأديان قبل الإسلام، حيث كانت الرسالات السماوية تمثل رسالة أخلاقية للإنسان، وكان على رجال الدين أن لا يخوضوا في قضايا العلم التي لم يخض فيها الدين، وأن لا يظنوا بأن المكتشفات العلمية، أو دوران الأرض حول الشمس، سيؤدي للإساءة للدين، أو لما لم يقله الله. ولقد تبين فيما بعد أن جهل المثاليين والمتدينين خدم الماديين، وساعد على نجاحهم. إذ أن دينًا لا يمكن فهمه وهو موجه من الخالق إلى الإنسان لابدَّ أن يثير البلبلة في النفوس. وعندما تهذر الفئة العليا المؤتمنة على توصيل الرسالة بما لا تعلم، وبما لا يُقنع، فالأفضل لها أن تصمت، لأنها ستكون بلاءً على الرسول والرسالة. ولو أن الله لم يرغب في توصيل رسالته للناس لما أرسل الرسل، وما خاطب الناس بلغتهم وبالأمثلة التي يمكن فهمها، والتي تؤدي إلى الإيمان. ولكن المبالغين في تنزيههم لله، وهو المنزه لا بفهمهم، نسبوا إليه ما لم ينسبه إلى نفسه، ثمَّ هبطوا من التنزيه إلى تصوره زوجًا لامرأة وأبًا لابن. وهكذا أضافوا إلى تناقضات عقولهم ضعفها وعجز منطقها عن الانسجام، والبرهان على ما يقولون. ولابدَّ هنا من السؤال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت