فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 598

إن الله كما أخبرنا عن نفسه سيكون في حالتين إما باطنًا في العالم من اسمه الباطن أو ظاهرًا من اسمه الظاهر { هو الأول والآخر والظاهر والباطن } وسيكون لكل ظرف حقائقه التي تقتضيه. فظرفية بطون الحق في العالم لا تقتضي الخلق ولا تطلبه. ولكن زمان ظهور الحق في العالم، تتطلّب شهودًا لهذا الظهور. فالبطون لا يعني عدم الوجود، وإنما يعني غياب الشهود. فزيد لا يظهر وإن كان حاضرًا حتى يظهر من يعرف بأنه زيد.. ولكن كيف سيظهر الحق في مخلوقاته لمخلوقاته وهو الذي لا يدرَك ولا تحيط به العقول. وما هو الذي سيظهر منه؟. إن كل وجود كما ندرك، لا يدرك إلا بصفاته. فالصفات تعبر عن طبيعة كل وجود، ولذلك فإن الصفة تتبع الموصوف في كلام العرب، فهي المعبِّرة عنه. وقد بيّنا بأن العلم أو العقل في العالم من كونه نورًا لا يظهر إلا في المصنوع. فالعلم طاقة كامنة لا تدرك في الآخر إلا بظهورها في الصورة المادية. والمدرِك للصورة لا يدركها إلا بما يناسبها من المدركات. هذه الحقائق اقتضت إظهار المخلوقات، وإيجاد الإنسان بتركيبه الذي يستطيع بحواسه أن يدرك المصنوعات بما يناسبها، وأن يعرف المناسبة بينه وبين ما يشهد، من حيث دلالتها. وزيادة في البيان زود الله الإنسان بالعلم والعقل ليكون كالمحكمة، لكي يحكم بعقله المبثوث فيه على حواسه، وجعل أول مخلوق في ذريته نبيًا ليكون مبلغًا عنه فيما أراد. إن تجلّي الله في العالم سيكون بما يدركه المخلوق، فبعلمه سيعلمه. فمناسبة الظهور هي التي اقتضت ظهور الكون لظهور المكوِّن في التكوين. هذه مناسبة الظهور. ولكن هل كان الظهور ضروريًا؟. إن الضرورة إنما تعني الاضطرار، والمضطر لا إرادة له، عندما يكون خاضعًا لإرادة خارجة عن ذاته. ولكن عندما تكون إرادته الخاصة النابعة من ذاته هي الحاكمة فيما يفعل، فإن فعل الإرادة سيكون حرًا، وسيكون المراد موافقًا لعلم الصانع وإرادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت