فهرس الكتاب
ثمَّ قال [صبوا عليه ذنوبًا من ماء أو سجلًا، إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين] لقد عرف الأعرابي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي منع الصحابة من إيذائه فقال للرسول - صلى الله عليه وسلم -"اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا. فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: لقد حجَّرت واسعًا (يا أخا العرب) ـ أي ضيقت ـ" (كنز العمال-4936/ج2) . فالله هو الواسع الذي يتسع لخلقه بكل ما يحتاجون إليه، وإن كان للذات أسماء تضيق عن هذه السعة كما يظن بعض أهل العلم بالنظر إلى الأسماء منفصلة عن بعضها، أو مناقضة لبعضها كما في (الخافض، الرافع، المعز، المذل) مثلًا. ولكن إذا اعتبرنا الحكمة في وضع كل صفة أو صورة كونية في مكانها الصحيح الملائم، فإن ما انخفض سيرتفع بانخفاضه ونيله ما يستحق من فيض الألوهية الساري في الوجود. فخفض ما يجب أن ينخفض حكمة، وما انخفض منخفض ولا ارتفع إلا بالنظر لصفات ألمّت به لا يستطيع قبول غيرها، وإن شملته عناية الأسماء الإلهية، فليس أعلى الشجرة أفضل من جذورها إلا بالمقاييس الإنسانية، وليست الثمار أفضل من الأغصان إلا بقياسنا. وليست المجرة أفضل من الذرة وإن كانت أكبر، فهذه أحكام ومقاييس لا تنتمي إلى الحكمة، ولكن إلى ضيق الأسماء لمن ضيّقها، وليس لحقيقة الذات. والضيق والسعة نابعان من حقيقة الأسماء، ومن حكم العلماء، كما هو الضار والنافع، ضار لكذا ونافع لكذا. فهو الضار النافع فاختلط الأمر وزال الحكم بالنظر للألوهية ولم يبق غير التنزيه. ولابد من حكم في الوجود، ولابدَّ من تفصيل وقياس وأحكام وشرائع وحلال وحرام. فكانت الذات لنا مشهودة حيث تجري أحكامنا بشهودها، لأن الإنسان لا يتسع للحق إلا نادرًا.