رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجنّ والإنس ، يقول ابن تيمية (1) :"وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين ، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة ، وغيرهم ."
يدل على ذلك تحدي القرآن الجن والإنس ، ( قل لئِن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا ) [الإسراء: 88] .
وقد سارع فريق من الجن إلى الإيمان عندما استمعوا القرآن: ( قل أوحي إليَّ أنَّه استمع نفرٌ من الجن فقالوا إنَّا سمعنا قرآنًا عجبًا - يهدي إلى الرشد فآمنَّا به ولن نشرك بربنا أحدًا ) [ الجن: 1-2 ] .
وهؤلاء الذين استمعوا القرآن وآمنوا هم المذكورون في سورة الأحقاف: ( وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلمَّا حضروه قالوا أنصتوا فلمَّا قضي ولَّوا إلى قومهم مُّنذرين - قالوا يا قومنا إنَّا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريقٍ مستقيمٍ - يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذابٍ أليمٍ - ومن لاَّ يجب داعي الله فليس بمعجزٍ في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلالٍ مُّبينٍ ) [ الأحقاف: 29-32 ] . استمعوا للقرآن ، وآمنوا به ، ورجعوا دعاة يدعون قومهم إلى التوحيد والإيمان ، ويبشرونهم وينذرونهم .
وقصة هؤلاء الذين استمعوا للرسول صلى الله عليه وسلم يرويها البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا: ما لكم ؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء ."
فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة ، عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن ، استمعوا له ، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: ( إنَّا سمعنا قرآنًا عجبًا - يهدي إلى الرشد فآمنَّا به ولن نشرك بربنا أحدًا ) [ الجن: 1-2 ] .
فأنزل الله على نبيه ( قل أوحي إليَّ أنَّه استمع نفرٌ من الجن ) [ الجن: 1 ] ، وإنما أوحي إليه قول الجن" (2) ."
وفود الجن الذين تلقوا العلم من الرسول صلى الله عليه وسلم:
تلك كانت بداية معرفة الجنّ برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، استمعوا لقراءَة القرآن بدون علم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فآمن فريق منهم ، وانطلقوا دعاة هداة .
ثمّ جاءَت وفود الجنّ بعد ذلك تتلقى العلم من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم من وقته ، وعلمهم مما علمه الله ، وقرأ عليهم القرآن ، وبلغهم خبر السماء .... وكان ذلك في مكة قبل الهجرة .
روى مسلم في صحيحه عن عامر ، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود ، فقلتُ: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ؟ قال: لا ، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، ففقدناهُ ، فالتمسناهُ في الأودية والشعابِ ، فقلنا: استطير أو اغتيل ، قال فبتنا بشر ليلة بات بها قومٌ ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء ، قال: فقلنا: يا رسول الله ! فقدناك فطلبناك فلم نجدك ، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ . فقال: ( أتاني داعي الجنّ ، فذهبتُ معه ، فقرأتُ عليهم القرآن ) . قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم ، وسألوه الزاد ، فقال: ( لكم كلُّ عظمٍ ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم ؛ أوفر ما يكون لحمًا . وكل بعرةٍ علفٌ لدوابّكم ) .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فلا تستنجوا بهما ، فإنهما طعامُ إخوانكم ) (3) .
ومما قرأه عليهم سورة الرحمن ، قال السيوطي:"أخرج الترمذي ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ في العظمة ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها ، فسكتوا فقال: ( ما لي أراكم سكوتًا ، لقد قرأتها على الجن ليلة الجن ، فكانوا أحسن مردودًا منكم ، كنت كلما أتيت على قوله:( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد ) (4) .
ولم تكن تلك الليلة هي الليلة الوحيدة ، بل تكرر لقاؤه صلى الله عليه وسلم بالجنّ بعد ذلك ، وقد ساق ابن كثير في تفسير سورة الأحقاف - الأحاديث التي وردت بشأن اجتماعه صلى الله عليه وسلم بالجن ، وفي بعضها أن ابن مسعود كان قريبًا من الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى تلك الليالي .
وقد ورد في بعض الروايات في صحيح البخاري: أن بعض الجن الذين أتوه كانوا من ناحية من نواحي اليمن من مكان يسمى ( نصيبين ) ، فقد روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أتاني وفد نصيبين - ونعم الجن - فسألوني الزاد ، فدعوت الله لهم ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا ) (5) .
(1) مجموع الفتاوى: 19/9 .
(2) رواه البخاري: 1/253 . ورقمه: 773 . ورواه مسلم: 1/331 ، ورقمه: (449) .
(3) رواه مسلم: 1/332 . ورقمه: 450 .
(4) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، للسيوطي: 7/690 .
(5) رواه البخاري: 7/171 . ورقمه: 3860 .
.ــــــــــــ