فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 33

المبحث السادس

كيف يصل الشيطان بوسوسته إلى نفس الإنسان

المطلب الأول

الوسوسة

الشيطان يستطيع أن يصل إلى فكر الإنسان وقلبه بطريقة لا ندركها ، ولا نعرفها ، يساعده على ذلك طبيعته التي خلق عليها ، وهذا هو الذي نسميه بالوسوسة ، وقد أخبرنا الله بذلك إذ سماه: ( الوسواس الخنَّاس - الَّذي يوسوس في صدور النَّاس ) [الناس: 4-5] . قال ابن كثير في تفسيره: ( الوسواس الخنَّاس ) : الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا سها وغفل وسوس ، فإذا ذكر الله خنس .

وقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) (1) .

وبهذه الوسوسة أضل آدم وأغواه بالأكل من الشجرة: ( فوسوس إليه الشَّيطان قال يا آدم هل أدلُّك على شجرةٍ الخلد وملكٍ لا يبلى ) [ طه: 120 ] .

وقد تتمثل الشياطين في صورة بشر ، وقد يحدّثون الإنسان ، ويُسمِعونه ، ويأمرونه ، وينهونه ، بمرادهم ... كما سيأتي بيانه .

(1) مشكاة المصابيح: 1/26 . ورقمه: 68 .

المطلب الثاني

تمثل الشياطين

أحيانًا تأتي الشياطين لا بطريق الوسوسة ؛ بل تتراءى له في صورة إنسان ، وقد يسمع الصوت ، ولا يرى الجسم ، وقد تتشكل بصور غريبة ... وهي أحيانًا تأتي الناس وتعرفهم بأنها من الجن ، وفي بعض الأحيان تكذب في قولها ، فتزعم أنها من الملائكة ، وأحيانًا تسمي نفسها برجال الغيب ، أو تدعي أنها من عالم الأرواح

وهي في كل ذلك تحدث بعض الناس ، وتخبرهم بالكلام المباشر ، أو بوساطة شخص منهم يسمى الوسيط ، تتلبس وتتحدث على لسانه ، وقد تكون الإجابة بوساطة الكتابة ...

وقد تقوم بأكثر من ذلك ، فتحمل الإنسان ، وتطير به في الهواء ، وتنقله من مكان إلى مكان ، وقد تأتي له بأشياء يطلبها ، ولكنها لا تفعل هذا إلا بالضالين ، الذين يكفرون بالله ربّ الأرض والسماوات ، أو يفعلون المنكرات والموبقات ....

وقد يتظاهر هؤلاء بالصلاح والتقوى ، ولكنهم في حقيقة أمرهم من أضلّ الناس وأفسقهم ، وقد ذكر القدامى والمحدثون من هذا شيئًا كثيرًا ، لا مجال لتكذيبه والطعن فيه ؛ لبلوغه مبلغ التواتر .

فمن ذلك ما ذكره ابن تيمية عن الحلاج قال:"وكان صاحب سيمياء وشياطين تخدمه أحيانًا ، كانوا معه ( بعض أتباعه ) على جبل أبي قبيس ، فطلبوا منه حلاوة ، فذهب إلى مكان قريب ، وجاء بصحن حلوى ، فكشفوا الأمر فوجدوا ذلك قد سرق من دكان حلاوي باليمن ، حمله شيطان تلك البقعة".

قال:"ومثل هذا يحدث كثيرًا لغير الحلاج ممن له حال شيطاني ، ونح نعرف كثيرًا من هؤلاء في زمننا وغير زمننا ، مثل شخص هو الآن ( في زمن ابن تيمية ) بدمشق ، كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق ، فيجيء من الهواء إلى طاقة البيت ، فيدخل وهم يرونه ، ويجيء بالليل على باب الصغير ( باب من أبواب دمشق الستة التي كانت يومئذ ) ، فيعبر منه هو ورفيقه ، وهو من أفجر الناس ."

وآخر كان بالشوبك ( قلعة حصينة في أطراف الشام ) من قرية يقال لها: الشاهدة ، يطير في الهواء إلى رأس الجبل والناس يرونه ، وكان شيطان يحمله ، وكان يقطع الطريق.

وأكثرهم شيوخ الشرّ ، يقال لأحدهم: ( البوشي أبي المجيب ) ينصبون له خركاه في ليلة مظلمة ، ويصنعون خبزًا على سبيل القربات ، فلا يذكرون الله ، ولا كتاب فيه ذكر الله ، ثم يصعد ذلك البوشي في الهواء وهم يرونه ، ويسمعون خطابه للشيطان ، وخطاب الشيطان له . ومن ضحك أو سرق من الخبز ضربه الدف ، ولا يرون من يضرب به .

ثم إن الشيطان يخبرهم ببعض ما يسألونه عنه ، ويأمرهم بأن يقربوا له بقرًا وخيلًا وغير ذلك ، وأن يخنقوها خنقًا ، ولا يذكرون اسم الله عليها ، فإذا فعلوا قضى حاجتهم"."

ويذكر ابن تيمية أيضًا عن"شيخ أخبر عن نفسه أنه كان يزني بالنساء ويتلوط الصبيان ، وكان يقول: يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان ، فيقول لي: فلان ابن فلان نذر لك نذرًا ، وغدًا نأتيك به ، فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر ، ويكاشفه هذا الشيخ الكافر".

ويذكر عن هذا الشيخ أنه قال:"وكنت إذا طلب مني تغيير مثل ( اللادن ) (صمغ يستعمل عطرًا ودواء) أقول: حتى أغيب عن عقلي ، وإذا باللادن في يدي أو في فمي ، وأنا لا أدري من وضعه ."

قال: وكنت أمشي وبين يدي عمود أسود عليه نور .

قال: فلما تاب هذا الشيخ ، وصار يصلي ويصوم ، ويجتنب المحارم ، ذهب الكلب ، وذهب التغيير ، فلا يأتي باللادن ولا غيره .

ويحكى عن شيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس ، فيأتي أهل ذلك المصروع إلى الشيخ يطلبون إبراءَه ، فيرسل إلى أتباعه ، فيفارقون ذلك المصروع ، ويعطون الشيخ دراهم كثيرة ، وكان أحيانًا تأتيه الجن بدراهم وطعام تسرقه من الناس ، حتى إن بعض الناس كان له تين في كوارة ، فيطلب الشيخ من شياطينه تينًا فيحضرونه له ، فيطلب أصحاب الكوارة التين ، فيجدونه قد ذهب .

ويذكر عن آخر أنه كان مشتغلًا بالعلم فجاءَته الشياطين وأغوته ، وقالوا له: نحن نسقط عنك الصلاة ، ونحضر لك ما تريد ، فكانوا يأتونه بالحلوى ، حتى حضر عند بعض الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه ، وأعطى أهل الحلاوة ثمن حلاوتهم التي أكلها ذلك المفتون بالشيطان" (1) ."

وبين شيخ الإسلام بعض طرق الشيطان في الإغواء ، فقال (2) :"أنا أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع ، وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها ، وأعرف من يخاطبهم الشجر والحجر ، وتقول: هنيئًا لك يا ولي الله ، فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك ، وأعرف من يقصد صيد الطير ، فتخاطبه العصافير وغيرها ، وتقول: خذني حتى يأكلني الفقراء ، ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنسان ويخاطبه بذلك ."

ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق ، فيرى نفسه خارجه ، وهو لم يفتح ، وبالعكس ، وكذلك في أبواب المدينة ، وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة يتصورون بصورة صاحبه ، فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله"."

ويقول رحمه الله:"وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له: أنا من أمر الله ، ويعده بأنه المهدي الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويظهر له الخوارق ، مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء ، فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يمينًا أو شمالًا ذهب حيث أراد ، وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي ، أو نومه ، أو ذهابه ، حصل له ما أراد من غير حركة منه في الظاهر ، وتحمله إلى مكة وتأتي به ، وتأتيه بأشخاص في صورة جميلة ، وتقول له: هؤلاء الملائكة الكروبيون جاؤوا لزيارتك ، فيقول في نفسه: كيف تصوروا بصورة المردان ؟ ! فيرفع رأسه فيجدهم بلحى ، ويقولون له: علامة أنك المهدي أنك تنبت في جسدك شامة ، فتنبت ويراها ، وغير ذلك ، وكله من مكر الشيطان" (3) .

وبين رحمه الله"أن أهل الضلال والبدع الذين فيهم زهد وعبادة على غير الوجه الشرعي ، ولهم أحيانًا مكاشفات وتأثيرات ، يأوون كثيرًا إلى مواضع الشياطين التي نُهي عن الصلاة فيها ؛ لأن الشياطين تتنزل عليهم بها ، وتخاطبهم الشياطين ببعض الأمور كما تخاطب الكهان ، وكما كانت تدخل في الأصنام ، وتكلم عابدي الأصنام ، وتعينهم في بعض المطالب كما تعين السحرة ، وكما تعين عباد الأصنام وعباد الشمس والقمر والكواكب ، إذا عبدوها بالعبادات التي يظنون أنها تناسبها ، من تسبيح لها ولباس وبخور وغير ذلك ؛ فإنه قد تنزل عليهم شياطين يسمونها روحانية الكواكب ، وقد تقضي بعض حوائجهم" (4) .

الذين تخدمهم الشياطين يتقربون إليها بالمعاصي:

هؤلاء الذين يزعمون الولاية - والحقيقة أن الشياطين تخدمهم - لا بدّ أن يتقربوا إلى الشياطين بما تحبه من الكفر والشرك ؛ كي يقضوا بعض أغراضه ، ويذكر ابن تيمية (5) : أن كثيرًا من هؤلاء يكتبون كلام الله بالنجاسة ، وقد يقلبون حروف كلام الله عزّ وجلّ ، إمّا حروف الفاتحة ، وإما حروف ( قل هو الله أحد ) ، وإما غيرهما - ويذكر أنهم قد يكتبون كلام الله بالدم أو بغيره من النجاسات ، وقد يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان ، أو يتكلمون بذلك .

فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين ، أعانتهم على بعض أغراضهم: إما تغوير ماء من المياه ، وإما أن يحمل في الهواء إلى بعض الأمكنة ، وإما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس ، كما تسرقه الشياطين من أموال الخائنين ، ومن لم يذكر اسم الله عليه ، وتأتي به ، وإما غير ذلك .

رجال الغيب:

يذكر شارح الطحاوية:"أن من الشياطين ما يسميه الناس رجال الغيب ، وأن بعض الناس يخاطبونهم ،وتحصل لهؤلاء خوارق يزعمون بها أنهم أولياء الله ، وأن بعض هؤلاء يعين المشركين على المسلمين ، ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين ، لكون المسلمين عَصَوْا".

ويعقب شارح الطحاوية على ذلك قائلًا:"هؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين ، وذكر أنّ الناس من أهل العلم في رجال الغيب ثلاثة أحزاب:"

1-حزب يكذبون بوجود رجال الغيب ، ولكن قد عاينهم الناس ، وثبت عمن عاينهم ، أو حدثه الثقات بما رأوه ، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم ، خضعوا لهم .

2-وحزب عرفوهم ، ورجعوا إلى القدر ، واعتقدوا أن ثَمّ في الباطن طريقًا إلى الله غير طريقة الأنبياء .

3-وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا وليًا خارجًا عن دائرة الرسول ، فقالوا: يكون الرسول هو محمدًا للطائفتين . فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه"."

ثم قال مبينًا حقيقة هؤلاء وأتباعهم:"والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين ، وأن رجال الغيب هم الجن ، ويسمون رجالًا ، كما قال تعالى: ( وأنَّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن فزادوهم رهقًا ) [ الجن: 6 ] ، وإلا فالإنس يؤنسون ، أي يشهدون ويرون ، وإنما يحتجب الإنس أحيانًا ، لا يكون دائم الاحتجاب عن أبصار الإنس ، ومن ظنهم من الإنس فمن غلطه وجهله".

ثم بين أن السبب في الاختلاف فيهم وفي افتراق هذه الأحزاب الثلاثة عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن ، وبيّن أنه يجب عرض أفعال الناس وأقوالهم وحالهم على الكتاب والسنة ، فما وافقهما كان صالحًا ،وما خالفهما كان غالطًا ، ومهما فعل الإنسان وتبدى من حاله لا يكون مؤمنًا ولا وليًا لله - وإن طار في الهواء ، ومشى على الماء ما لم يكن ملتزمًا بالكتاب والسنة (6) .

فلا بد أن يكون عند العبد الميزان الذي يفرق به بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، والصالحين والطالحين ، وإلا ضّل وزاغ ، وظن أعداء الله أولياءَه ، هذا الميزان هو الكتاب والسنة ، فإذا كان العبد ملتزمًا بهما فنعم ، وإلا فإنّه ليس على شيء ، ولو رأيناه يحي الأموات ، ويحول المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة

يقول ابن تيمية:"ومن لم يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية اشتبه عليه الحق بالباطل ، ومن لم ينوّر الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن ، لم يعرف طريق المحق من المبطل ، والتبس عليه الأمر والحال ، كما التبس على الناس حال مسيلمة صاحب اليمامة وغيره من الكذابين في زعمهم أنهم أنبياء وإنما هم كذابون" (7) .

وقد ألف ابن تيمية كتابًا عظيمًا ، إذا عرفته ، تبين لك الفارق الكبير بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان بحيث لا يشتبه عليك بعد ذلك أمر أولياء الشيطان ، وقد أسماه"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان".

لا تسخر الجن لأحد بعد نبي الله سليمان:

استجاب الله لنبيه سليمان ، ووهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده ، فإذا حصل طاعة من الجن لأحد من الإنس ، فلا يكون على سبيل التسخير ، وإنما برضى الجني ، وهل يجوز ذلك ؟

يقول ابن تيمية (8) :"الجن مع الإنس على أحوال: فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ، ويأمر الإنس بذلك ، فهذا من أفضل أولياء الله تعالى ، وهو في ذلك من خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه ."

ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له ، فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له ، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم ، وينهاهم عما حرّم عليهم ، ويستعملهم في مباحات له ، فيكون بمنزلة الملوك ، الذين يفعلون مثل ذلك ، وهذا إذا قدّر أنه من أولياء الله ، فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول ، كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

ومن كان يستعمل الجنّ فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في الشرك ، وإما في قتل معصوم الدم ، أو في العدوان عليهم بغير القتل ، كتمريضه وإنسائه العلم ، وغير ذلك من الظلم ، وإما في فاحشة ، كجلب من يطلب منه الفاحشة ، فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان ، ثمّ إن استعان بهم على الكفر فهو كافر ، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص: إما فاسق ، وإما مذنب غير فاسق .

وإن لم يكن تام العلم بالشريعة ، فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات ، مثل أن يستعين بهم على الحج ، أو يطيروا به عند السماع البدعي ، أو أن يحملوه إلى عرفات ، ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله ، وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة ، ونحو ذلك ، فهذا مغرور قد مكروا به"."

(1) جامع الرسائل لابن تيمية: ص190-194 .

(2) مجموع الفتاوى: 11/300 .

(3) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: 11/300 .

(4) مجموع الفتاوى: 19/41 .

(5) مجموع الفتاوى: 19/35 .

(6) شرح العقيدة الطحاوية: 571-572 .

(7) جامع الرسائل: ص197 .

(8) مجموع الفتاوى: 11/307 .

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت