فهرس الكتاب
وهذا الخبر على وجازة لفظ اسحاق وغموضه بدل على أن كتاب الزبير في النسب مباين لكل كتاب سبقه الى عهد اسحاق. ونحن نعلم علم اليقين أن كتب النسب التي سبقته لا تكاد تخلو من أخبار متناثرة لمن يجئ ذكرهم في سياقة النسب، كالذي نراه في كتاب مُؤرِّج بن عمرو السدوسي المعروف باسم حذف من نسب قريش وكالذي نجده في كتاب هشام بن محمد بن السائب الكلبي نسب قريش.
فهو إذن نهج مألوف غير منكر أن تتخلل الأنساب أخبار قلت أو كثرت فلا أكاد أشك في أن الذي دعا اسحاق بن ابراهيم الى مقالته إنما هو شيء تميز به كتاب الزبير غير النسب وغير الأخبار المبهمة التي تشاب بها الأنساب وهي هذه الأخبار المتخيرة الدالة على شخصية أصحابها والتي جعلت اسحاق يحس نبض الحياة في كتاب الزبير ويدرك أن صاحبه قد أوتي براعة قائقة في تصوير الناس.
ولكتاب الزبير عندنا اليوم فضيلة أخرى هي أنه ساق لنا في هذا الكتاب شعرا كثيرا جدا لا نكاد نجده في غيره من كتب الأخبار والشعر وروى قصائد طوالا لشعراء نلتمسهم في الذي طبع من كتب أسلافنا فلا نكاد نقف إلا على ذكر أسمائهم أو ذكر البيت والبيتين من أشعارهم وكل دارس يعلم أن تاريخ الشعر في القرن الأول والثاني للهجرة تاريخ معتم لقلة المصادر الأولى التي وصلتنا فهذا القدر العظيم من الشعر الذي رواه الزبير خليق أن يضيء تاريخ هذه الفترة فنزداد علما بالحياة الأدبية على وجه قريب من السلامةوالدقة.
وفضيلة ثالثة يستخرجها النظر والتمحيص. فإن الزبير حيث تعمد تخير الأخبار المصورة لشخصيات من ذكرهم أمدنا بقدر وافر من الوثائق النافعة في الاستدلال على الحياة الاجتماعية في الجاهلية والإسلام وبذلك هيأ لنا الزبير مادة غزيرة تتيح لنا أن نميط الأذى وننفي الزيف ونصلح الفساد مما أدخلة المتجهمون على تاريخ الحياة الاجتماعية في جاهلية العرب وإسلامهم بسوء بصرهم وباعتمادهم على سواقط الأخبار وشواذها ومفرداتها دون حقائقها ومجتمعاتها.