الصفحة 188 من 798

2-أن المتأمل في الأحكام على الأحاديث يجد كثرة الأحاديث التي صححها من جاء بعد الأئمة المتقدمين وقد حكم عليها الأئمة المتقدمون بالضعف والنكارة وربما بالبطلان أو الوضع، ومن المعلوم أن الأئمة المتقدمين هم أهل هذا الشأن، فهم أرسخ في فهم قواعد هذا العلم وأصوله، وهم المرجع في التصحيح والتضعيف، حيث توفر لهم من الأسباب والعوامل المعينة على تمييز الصحيح من الضعيف والمحفوظ من المنكر مالم يتوفر لغيرهم، وهذا يجعل كلامهم أقرب إلى الصواب . قال الذهبي - وهو يتحدث عن العنعنة والتدليس:"وهذا في زماننا يَعْسُرُ نقدُه على المحدَّث، فإن أولئك الأئمة، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول وَعَرَفوا عِلَلَها، وأما نحن فطالت الأسانيدُ وَفُقِدَتْ العباراتُ المتيقَّنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدَّخَلُ على الحاكم في تَصَرُّفِه في المستدرك" [1] ، وقال الحافظ ابن حجر - بعد أن ذكر كلام بعض الأئمة في نقد حديث-:"وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه ." [2] ، وقال السخاوي وهو يتحدث عن التفرد:"ولذا كان الحكم به من المتأخرين عسرًا جدًا، وللنظر فيه مجال، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهوية، وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي، ولم يجيء بعدهم مساو لهم ولا مقارب أفاده العلائي، وقال: فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدًا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح ." [3]

(1) - الموقظة ص: 46

(2) - ينظر: النكت على ابن الصلاح ( 2/726 )

(3) - فتح المغيث ( 1/237 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت