لما كان كذلك ظن أبو حنيفة أن الإيمان هو التصديق فقط؛ فعند ذلك صرح لتلاميذه أن الأعمال زائدة على الإيمان، وأن الإيمان هو مجرد التصديق، ولكنه يريد التصديق الجازم الذي يكون له ثمرة وهي العمل. الذين يقلدون أبا حنيفة تمسكوا بما روي عنه تمسكا زائدا بحيث إنهم لا يذكرون إلا قوله؛ سواء في العقيدة أو في الفروع، فصار الناس يخالفونهم. يعني: الذين ليسوا على معتقد أبي حنيفة ويسمونهم مرجئة الفقهاء، ويحذرون من سماع أقوالهم؛ وذلك لأنهم يسهلون في أمر المعاصي. إذا لم يجعلوها داخلة في اسم الإيمان؛ إذ لم يجعلوا المعاصي منقصة لاسم الإيمان ولا الطاعات زائدة في الإيمان صار الإيمان عندهم التصديق، فلا تضره المعاصي ولا يضره ترك الطاعات فلا جرم. سهلوا لكثير من أتباعهم ترك الطاعات وفعل المعاصي، وقالوا: إنها لا تنقص الإيمان؛ فلذلك حذر منهم العلماء.
مع كونهم فقهاء، ومع كونهم من أهل الإسلام ومن أهل السنة، ولكن في هذا خالفوا أهل السنة، وقد جاء عنهم أحاديث كثيرة تحذر من الانخداع بهم، ولكنها موقوفة أو مقطوعة من كلام العلماء. من أراد الاطلاع عليها يجدها في كتاب السنة للخلَّال الأقسام المطبوعة، فإنه -رحمه الله- أطال في ذكر الآثار التي تحذر من المرجئة، وتبين خطأهم؛ لأنهم يقولون مثلا: الإنسان إذا عصى؛ لو أكل الربا أو زنى أو شرب الخمر أو قتل أو قذف أو سرق ما نقص إيمانه. إيمانه الذي في القلب ما ينقص بهذه المحرمات، وكذلك لو منع الزكاة أو ترك الصلاة أو أفطر في رمضان بغير عذر، أو نحو ذلك ما نقص إيمانه؛ لأن الإيمان في القلب وهو التصديق.
ولا شك أن هذا فتح لباب المعاصي وتسهيل في أمرها، وإيقاع للناس في المحرمات؛ مع أن المعاصي -كما يقول بعض العلماء- بريد الكفر. يعني أنها مقدمة بين يدي الكفر، وأن الذي يفعل المعصية لا يؤمَن عليه أن يجذبه ذلك إلى أن يقع في الكفر أو في مقدماته.