وكذلك البعير -مثلا- إذا كان مستسلما؛ إذا كان مسلما فإنه جاء في حديث: مثل المسلم أو المؤمن كمثل الجمل الأُنُف -يعني الجمل الذلول- إن قيد انقاد، وإن أنيخ ولو على صخرة استناخ فكذلك المسلم يقوده إيمانه من بيته إلى المسجد. يدل على أنه استسلم لأمر الله تعالى، ويقوده إيمانه وإسلامه إلى دفع زكاة ماله، وإلى صيامه -أداء الصيام بدون تأخر- وإلى أداء الحج، وإلى الجهاد في سبيل الله، وإلى غير ذلك؛ فيكون الإسلام هو الأعمال الظاهرة.
وأما الإيمان إذا ذكر مع الإسلام فيكون هو الأعمال الباطنة التي هي أمر العقيدة، وفسروه بالإقرار بالله تعالى؛ الاعتراف بأن الله هو رب العالمين. يعني ربهم كلهم. أي مالكهم والمتصرف فيهم. كلهم خلقه وملكه وتحت تصرفه وتقديره، وكذلك التصديق بأنه هو إلههم؛ الذي تألهه قلوبهم. أي: تحبه وتجله وتعظمه وتخضع له، وتخشع وتتواضع بين يديه، وكذلك أيضا الإيمان بأسمائه وصفاته؛ بأنه موصوف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص. فصفات الكمال كونه مثلا؛ كونه يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء، ويرى جريان الماء في عروق الشجر، ويرى ويعلم صغائر خلقه صغيرها وكبيرها. يقول بعض الشعراء في ابتهاله إلى ربه:
يا من يرى مد البعوض جناحه *** في ظلمة الليل البهيم الألْيَل
ويرى مناط عروقها في نحرها *** والمخ في تلك العظام النُّحَّل
امنن علي بتوبة تمحو بها *** ما قد مضى لي في الزمان الأول
وهذا حق أن الله هو الذي خلق البعوضة. البعوضة الناموسة الصغيرة، ويرى حركة أجنحتها في ظلمة الليل، ويعلم كم في خلقها من عرق، وكم فيها من عظم، ويرى جريان الغذاء في جوفها، ويرى مكان الوطء من أقدامها. قد تقول: هذه بعوضة صغيرة. إذا قبضتها بين إصبعيك وفركتها لم يبق لها جرم؛ لا تحس لها بعظام، فنقول: الذي خلقها جعل لها عظاما.