ومِن أشهر من كتب بعدهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فإنه ألف كتاب الإيمان، ويقال له: كتاب الإيمان الكبير، وله كتاب الإيمان المتوسط، وكتاب الإيمان الصغير؛ إلا أن الصغير ذكروا أنه اختصار لبعض تلاميذه. فهذا كتاب الإيمان الكبير طبع مفردا عدة طبعات، وطبع أيضا مع المجموع؛ في المجلد السابع من مجموع الفتاوى، وطبع له أيضا في ذلك المجلد. طبع له أيضا رسائل تتعلق بالإيمان، وتكلم أيضا على الإيمان في رسالته التي هي العقيدة الواسطية.
وكل ذلك دليل على أنهم رأوا أن المرجئة تمكن قولهم؛ حيث إنهم يسهلون في أمر المعاصي فخافوا أن الناس ينخدعون بقولهم، فأرادوا أن يبينوا الأدلة في أن الأعمال من مسمى الإيمان، وأن المعاصي تضر أصحابها، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أن كثيرا من الذين معهم إيمان يدخلون النار بسبب المعاصي التي اقترفوها، فبعضهم يبقى فيها مائة سنة أو مئات أو سنوات أو نحو ذلك؛ حتى يحترقوا ويصبحوا كأنهم حمم، ثم بعد ذلك يأذن الله بالشفاعة لهم؛ لأن عندهم إيمان ولأن عندهم شهادة، ولأن عندهم صلاة، فيأمر الله تعالى بإخراجهم فيعرفون بآثار السجود. حرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود.
وذلك دليل على أنهم دخلوا النار مع كونهم يصلون ، ولكن ما أحرقت النار أعضاء السجود السبعة: الجبهة مع الأنف والكفين والركبتين وأطراف القدمين، فيخرجون وقد امتحشوا أو قد احترقوا، ويدخلون الجنة، ولكنهم يلقون في نهر يسمى نهر الحياة -أو نهر الحيا-؛ يلقون فيه فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل. ألم تروا أنها تخرج صفراء ملتوية ما يلي الظل منها أبيض وما يلي الشمس منها أخضر؟ فينبتون إلى أن تنبت أجسامهم، ثم بعد ذلك يدخلون منازلهم ومساكنهم في الجنة، ولكن دخولهم النار وتعذيبهم فيها مدة طويلة أو قصيرة يدل على أنهم استحقوا ذلك بأنواع من المعاصي والبدع ونحوها.
العقيدة الطحاوية وشروحها