ولكن ومع ذلك فما زال المجتمع المسلم وفي كثير من أطرافه يعاني من أمراض الانحلال والتفكك، بالرغم من كثرة الدعاة فيه. والمتأمل للمجتمع اليوم يعلم يقينًا أن المجتمع لا يشكو من قلة الدعاة، أو قلة الوعاظ والمتحدثين في فروع الفقه والدين، وإنما يشكو من قلة فقه الدعوة عند الدعاة الملقي على عاتقهم إصلاح المجتمع.
إنَّ الدعاة لا بُدَّ من أنْ يستلهموا منهج الدعوة من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد غير أمة كاملة، وكان يبعث أصحابه إلى بعض القبائل لنشر الإسلام، وكثيرًا ما كان الواحد منهم يبعث وحده، ولكن ومع ذلك يستطيع أن يخرج الناس من الضلال إلى الهدى، ويهدم جدران الكفر والشرك، لأنهم أولًا صدقوا الله ثم فقهوا هذا الدين وطريق دعوته، فهدى الله بهم الناس إلى الكتاب المنير، وأجرى على يديهم التغيير [1] .
والدعاة اليوم أحوج لمثل هذا الفقه، لأنَّ الدعوة إلى الله ليست حفظًا لنصوص القرآن والسنة ثم إلزام المجتمع بها، ولكن الدعوة إلى الله علم واسع يحتاج إلى فهم دقيق لأحكام الدين وواقع المجتمع.
ولقد وفقني الله تعالى لأكتب في أصل مهم من أصول الدعوة، وهو فقه التدرُّج.
إنَّ الأمم لا تتغيَّر بين يوم وليلة من منهج إلى منهج، ولكن هذا التغيير يحتاج إلى جهد جهيد ووقت مديد.
إنَّ هذا الأصل أضاعه كثير من الدعاة اليوم، ورغبوا في أنْ يغيروا المجتمع في أيام معدودات، فلم يستطيعوا ذلك؛ لأن طبائع الناس لا تقبل مثل هذا التغيير الذي يتم بين عشية وضحاها، إذ يصعب عليهم ترك حياة ألفوها واعتادوا عليها فجأة.
وإنني أسأل الله تعالى التوفيق في أنْ أبيِّن بعضًا من معالم هذا الأصل العظيم الذي يُعَدُّ أحد مناهج الإسلام في تغيير المجتمع.
(1) انظر قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي ورجوعه إلى قومه ودعوتهم إلى الإسلام، وقصة إسلام أبي ذر الغفاري ودعوته إلى قومه، كتب السيرة.