وذلك أن الإرسال الخفي يعد تدليسًا، أعني يوصف فاعله بأنه مدلس، وتعدُّ عنعنته عن شيوخه عنعنة مدلس، إذا كان في ذلك الإرسال يتعمد إيهام السماع، أو لا يجتنب الإيهام ولا يحترز منه، ويرتضيه مع علمه بوقوعه، أو بقوة احتمال وقوعه.
ومن أسباب إيهام الإرسال الخفي السماع كثرته عن راو بعينه، من غير بيان لحقيقة الحال، أصلًا، أعني كثرة رواية ذلك المرسِل عمن عاصره أو لقيه ولم يسمع منه شيئًا، من غير أن يبين أنه لم يسمع منه [1] .
ولعله مما يطابق هذا المذهب أو يقاربه قول ابن حجر في (النزهة) : (والفرق بين المدلَّس والمرسَل الخفي دقيق--- وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي) . انتهى.
وهذا المذهب يصلح للجمع بين ما قد يظهر من تناقض بين عبارات بعض الأئمة في تعريف التدليس، كالخطيب في (الكفاية) ؛ وانظر ما كتبه الدكتور خالد منصور الدريس في كتابه (موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع) (ص338-345) [2] .
(1) ولكن قد يقال: من كان مكثرًا عن شيخ فلا بد أن يتداول أهل الحديث صفة مروياته عنه من حيث الاتصال والانقطاع فيبعد أن يبقى إرساله عنه بعدئذ غير معروف عند النقاد. ...
(2) تنبيه: قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (1/248-250) في هشيم بن بشير:"لا نزاع في أنه كان من الحفاظ الثقات إلا أنه كثير التدليس فقد روى عن جماعة لم يسمع منهم ...".
قلت: إن أراد الذهبي أن هشيمًا لم يسمع منهم أصلًا فالذهبي هنا قائل بقول من يسمي الإرسال الخفي تدليسًا، إلا إن كان هشيم قد أوهم الناس أنه قد سمع من تلك الجماعة في الجملة؛ وأما إن أراد الذهبي أنه لم يسمع منهم بعض ما حدث به عنهم فقوله كقول الجمهور. ...