منهم العلامة كمال الدين البياضي (ت. 1098هـ) ، حيث جمع نصوص الإمام في رسائله المذكورة في معتقد أهل الحق، في كتاب بديع، محافظا على ألفاظ أبي حنيفة، ومسميا إياه 'الأصول المنيفة للإمام أبي حنيفة'، ثم شرحه بعنوان 'إشارات المرام من عبارات الإمام'، وهو من أرفع كتب علم الكلام قدرا، وأحسنها ترتيبا، وأغرزها فائدة.
ومن ذلك يتبين مبلغ أهمية تلك الرسائل عند الباحثين، كما يتبين مدى أهمية كتاب الأستوائي، هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية أن معظم نصوص هذا الكتاب لا نجدها عند البياضي في كتابه المذكور، وذلك يزيد قيمةَ كتاب الأستوائي.
هذا، وإن مهمة التحقيق ليست سهلة، وقد حاولت جهدي أن أنجزها على منهج علمي جاد، وإني لمن أسعد الناس بأن يخرج هذا الكتاب الحاوي لنصوص الإمام الأعظم أبي حنيفة وأصحابه القدماء إلى النور.
الفصل الأول
عصر الْمُؤلف القاضي أبي العلاء صاعد بن محمد الأستوائي
1 ـ الحالة السياسية
2 ـ الحالة الثقافية
3 ـ الحالة الدينية
1-الحالة السياسية
لقد شهد صاعد بن محمد الأستوائي النصفَ الثاني من القرن الرابع، والثلثَ الأولَ من القرن الخامس الهجري. وهو نِهاية العصر الذهبي من عصر التاريخ الإسلامي، وبداية عصر الفتن والقلاقل السياسية، والصراع على الحكم والضعف. فقد ضعفت الخلافة العباسية في بغداد، وظهرت دويلات في مختلف الإمارات.
فقد كانت قوى السامانيين (204ـ395هـ) ثم الغزنويين (351ـ582هـ) ، والسلاجقة (429ـ590هـ) تتحكم في المشرق، ودولة البويهيين (320ـ454هـ) في العراق مركز الخلافة الإسلامية، وبلادِ فارس والجبال، والفاطميين (297ـ567هـ) في مصر والشام، وبني حمدان (317ـ394هـ) في الموصل وديار بكر وديار ربيعة ومضر.