فهرس الكتاب
حديثا ـ، فسألتُ الصيمريَّ عن قدوم صاعدٍ بغداد، فقال: آخِرُ سنةٍ قَدِمَها سنة ثلاث وأربع مئة" (1) . يفهم من هذا أن زيارته بغداد كانت في طريقه إلى بلده أثناء عودته من الحج."
وكان يُحسِن إلى من أحسن إليه، ولا ينسى فضلهم عليه، وكان لا يخاف في بيان كلمة الحق أمام السلاطين والحكام، وكلمته كانت مسموعة لديهم، وشفاعته مستجابةً عندهم. إذ يذكر أبو الفضل البيهقي في تاريخه أنه في اليوم التالي من قدوم السلطان مسعود بن محمود نيسابور"دخل القضاة والفقهاء والعلماء، وتكلموا في التهاني والتعازي، وأثنوا على الأمير - رضي الله عنه -، ولكنه لم يَحْتفِ بأحد احتفاءه بالقاضي صاعد، وأبي محمد، وأبي بكر إسحاق مَحْمَشاد الكرامي" (2) . ووعدهم بإلغاء ما استحدث حسنك من النظم والمراسيم، وإعادة النظر في المسجونين، وإطلاق سراحهم، ليهنؤوا بقدومه. وسُرّ الحضورُ بِهذه البيانات الملكية. وقال القاضي صاعد:"إن لي حاجة واحدة أعرضها إن أذن لي، فاليومُ يومُ سعد، والمجلس مجلس مبارك. فقال الأمير: إن كل ما يقوله القاضي هو عين الرشد والصواب. فقال القاضي: يعلم السلطان أن الأسرة المِيكائيلية أسرة قديمة، وهم من خواص هذه المدينة، وآثارهم ظاهرة، وإنِّي لأعترف بحقهم عليَّ، فقد نشأتُ في ظلِّ نعمتهم وبلغتُ هذه المرتبة من العلم بعد فضل الله برعايتهم، ولهم حقوق في عنقي، وقد أصاب مَن بقي منهم مِن جور حسنك وغيره حيفٌ كبير وضر بالغ، فصودرت أملاكهم، ودُرِست أوقافُ آبائهم وأجدادهم، فتغيرت معالمها وطرقاتُها، فإنْ رأى الأمير أن يأمر بإرجاعها إليهم اليوم، كما تقضي همته وديانته، فتلك منّةٌ عظيمة ينتفع بِها أفراد تلك الأسرة وجماعة آخَرون اضطربت أحوالهم وتشتت شملهم، فتحيا تلك الأوقافُ، ويصل ريعُها أيضا إلى عابر السبيل. فقال الأمير - رضي الله عنه -: إن هذا الرأي سديد."
(1) تاريخ بغداد 9: 344. انظر أيضا: تاريخ العتبي 2: 313.
(2) تاريخ البيهقي ص 37.