فهرس الكتاب
وقد جرت مناظرات بين الكرامية والأشعرية، وبينها وبين الحنفية في مجالس السلطان محمود الذي نصر الكرامية برهة من الزمن، لما يرى في منسوبيهم مثل إسحاق بن محمش، وابنه أبي بكر محمد"التزهدَ والتعفف والترهب والتقشف ما قلَّ وجود مثله في كثير من فقهاء الدين وأعيان المتعبدين، فحلي ذلك بقلبه كما حلي بعينه، والمجاهد في الله محبوب، وقد يكرم أهلَ الشفاعات من له ذنوب. واستمر السلطان بعده على وتيرته في ملاحظاتِهم بعين الاحترام، وإيثار طوائف الكرامية بالإكرام" (1) . إلا أن هؤلاء الكرامية قد اتخذوا مظهر الزهد والتقشف منذ نشوء مذهبهم إلى أن اشتدت شوكتهم وعلت كلمتهم ستارا لإغراء الناس بظاهرهم الحسن، واعتناقهم بمذهبهم،"… فنجعوا له بالطاعة، وفرشوا له خدود الضراعة، وانعقدت له الرياسة في لبسة الصوف، ولحظته الخاصة والعامة بعين المرجو والمخوف، ووجدت خاصته سوقا للأطماع بعلة الابتداع، فاستزبنوا الناس، واستفتحوا الأكياس…" (2) . فظل السلطان محمود يؤيدهم هو وابنه إلى أن حدث يوما كان فيه السلطان يعقد مجلسا، فذكر في مجلسه القاضي صاعدُ بن محمد الكراميةَ،"وإطلاقَهم القول بالتجسيم، وتعريضَ الله لما لايليق بذاته الكريم، فأنف السلطان لهذه الشنعاء من مقالهم، والعوراء من فحوى جدالهم، ودعا السلطان أبا بكر ـ ابن محمشاد ـ سائلا عنه، وباحثا صورة الحال منه. فأنكر أبو بكر اعتقاد ما نسب إليه، وأظهر البراءة مما أحيل به عليه، فسَلِم مع الإنكار عن مسِّ العتب والانكار. فأما الباقون ـ من الكرامية ـ فإن الكتب من السلطان نفذت إلى العمال في تقديم الاستقصاء عليهم، فمن أظهر البراءة عن قوله الشنيع واعتقاده الموجب للتبديع ترك وشأنه من عقد المجالس للتدريس، وتشرف المنابر للتذكير، ومن أصرَّ على دعواه، ولم يختر لنفسه سواه جعل مغناه"
(1) تاريخ العتبي 2: 310؛ التجسيم عند المسلمين ص 79.
(2) تاريخ العتبي 2: 311-312؛ التجسيم عند المسلمين ص 82.