فهرس الكتاب
إنها جريمة الأدب يا سادة .
لقد أساء المتنبي إلى كافور فألبسه وجها غير وجهه الحقيقي وأساء ابن مماتي إلى قراقوش فألبسه وجها غير وجهه الحقيقي .
ولم يعرف الناس من الاثنين غلا هذا الوجه المعار كوجه الورق الذي يلبسه الصبيان في العيد .
ابن مماتي هذا كاتب بارع وأديب طويل اللسان ، كان موظفا في ديوان صلاح الدين وكان الرؤساء يخشونه ويتحامونه ويتملقونه بالود والعطاء ولكن قراقوش وهو الرجل العسكر الذي لا يعرف الملق ولا المداراة لم يعبأ به ولم يخش شره ولم يدر أن سن القلم أقوى من سنان الرمح ، وأن طعنة الرمح تجرح الجرح فيشفى أو تقتل المجروح فيموت أما طعنة القلم فتجرح جرحا لا يشفى ولا يريح من ألمه الموت ...
فألف ابن مماتي رسالة صغيرة سماها"الفافوش في أحكام قراقوش"ووضع هذه الحكايات ونسبها إليه ... ... .. وصدقها الناس . ونسو التاريخ ...
ومات قراقوش الحقيقي وبقي قراقوش الفافوش كما مات كافور التاريخ وبقي كافور المتنبي وكما نسي عنترة الواقع وبقي عنترة القصة ... ...
هذا يا سادة سلطان الأدب ... .فيا أيها الأدباء اتقوا الله في هذا السلطان ..وياأيها الناس لا تنخدعوا بتزيف الأدباء..
خطيب الزهراء
أحدثكم اليوم عن قاض كبير ، كان قاضي الجماعة في الأندلس ، وهو مثل منصب قاضي القضاة في بغداد ، وكان خطيبها الأول ، وكان عالمها الأكبر ، وكان يهزل حتى ليأتي بالعجائب من النكات والغرائب من المضحكات ، ولكنه إذا جد الجد ، وجاء الواجب وقف مواقف لا تثبت في مثلها الجبال الرواسي .
أما نكته فقد جهدت أن أعرض لبعضها وحاولت أن أعبر عنها بالكناية والإيماء والإشارة فوجدتها أفظع من أن يعرض لها في حديث يسمعه من أريد ومن لا أريد فمن أراد الوصول إليها فإن بعضها في (مطمح الأنفس ) للفتح بن خاقان الوزير .
وأما مواقفه فهاكم صورا سريعة لطائفة منها ، لا أستقصي في الرواية ولا أستوفي التصوير لأن ذلك كثير والوقت قصير .