فهرس الكتاب
نحن الآن في الأندلس جنة الأرض ، في قرطبة عاصمة الدنيا ، في العصر الذي لم تعرف الأندلس في جاهليتها الأولى ثم في إسلامها أمس ثم في نصرانيتها اليوم عصرا أزهى منه ولا أبهى ، ولا أكرم ولا أعظم ، عصر أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر باني الزهراء .
لقد جمعت الدنيا بعظمتها وبهائها في الأندلس ، وجمعت الأندلس في قرطبة ، وجمعت قرطبة ذلك اليوم في القصر ، الذي ألبس من روعة البناء وجلال الفرش وعظمة السلطان ما لا يصفه قلم ، وأعد لاستقبال وفد قيصر الذي قدم من القسطنطينية يريق على عتبة الناصر ولاءه وتلتمس تأييده .
وتطلعت نفوس الخطباء إلى الكلام في هذا المقام وتمنى كل عالم وخطيب ، أن يشير إليه الخليفة بالرد على خطبة رئيس الوفد ، فلم ينل ذلك واحد منهم ، ونالهه الإمام أبو علي القالي البغدادي ضيف الأندلس ومؤلف الأمالي .
وقام ابو علي ليتكلم فأرتج عليه ، وانقطع فما قدر على كلمة ، وكاد يضطرب الأمر ، وإذا بشاب يقوم من بين العلماء فيقف على المنبر ، دون القالي بدرجة فيرتجل خطبة لم يسمع الناس مثلها هز فيها القلوب ولعب بالعواطف ، وملك المشاعر ، وجاء بشيء عجب ، نبه الخليفة إلى مكانه فسأل ابنه الحكم عنه ، فقال: هذا منذر بن سعيد البلوطي ، قال:لأرفعن منه فإنه لذلك أهل ، فولاه القضاء ، وخطابة المسجد الجامع ، ثم لما بنى مدينة الزهراء ، أعجوبة الفن المعماري التي لم يبن مثلها ملك ولا أمير ، والتي لو بقيت لكانت الحمراء إلى جانبها كوخا من الأكواخ ، ولما أكمل مسجدها ولاه خطابته .