فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 70

وكان الخليفة قد استغرق في الإشراف على بنائها ، حتى قالوا إنه أضاع الجمعة مرة ، وبنى فيها قاعة جعل قرامدها من الذهب والفضة وغرم فيها ما لا يوصف وحشد الناس لافتتاحها وجعل أول حفلات الافتتاح صلاة الجمعة ، وكان الخطيب منذر بن سعيد ، فصعد المنبر فبدأ الخطبة بداية عجيبة ، بقوله تعالى (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ، وإذا بطشتم بطشتم جبارين ، فاتقوا الله وأطيعون ، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون ، أمدكم بأنعام وبنين ، وجنات وعيون ، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم )

ووصل ذلك بكلام جذل وقول فصل ذم فيه السرف والترف وإضاعة أموال الأمة في زخرفة القصور ووصله بقوله ودموعه تنحدر من لحيته:

والله يا أمير المؤمنين ، ماظننت أن الشيطان أخزاه الله يتمكن منك هذا التمكن ، حتى أنزلك منازل الكافرين ، فجعلت قراميد بيتك من الذهب والفضة ، والله تعالى يقول (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون )

ووصله بقواه تعالى (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ، لا يزال بنيانهم الذي بنو ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله حكيم عليم )

وما زال في مثل هذا حتى نسي الناس الخليفة والاحتفال وصغت القلوب إلى الله وصفت النفوس لله وارتج المسجد بالبكاء ...

فلما قضيت الصلاة انصرف الخليفة مغضبا وقال لابنه: أرأيت جرأته علينا . والله ....

ماذا ترونه يا سادة فاعلا معه ، إنه لم يفعل إلا أن قال: والله لا صليت الجمعة خلفه أبدا ...

قال الحكم: وما يمنعك من عزله ؟ فرجع الخليفة إلى نفسه وقال ، ويحك أمثل منذر بن سعيد في فضله وورعه وعلمه لا أم لك يعزل في إرضاء نفس ناكبة عن الرشد ، إني لأستحي من الله أن أجعل بيني وبينه إماما غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت