فهرس الكتاب
غضب المعتصم مرة على خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني ، الفارس العربي البطل ، الذي قال الشاعر في رثاء أبيه هذه القصيدة النادرة المثال المنسزبة لصريع الغواني ومطلعها:
أحق أنه أودى يزيد
تبين أنه الناعي المشيد
ومنها:
أحامي الملك والإسلام أودى
فما للأرض ويحك لا تميد
تأمل هل ترى الإسلام مالت
دعائمه وهل شاب الوليد
وتشفع فيه فلم يشفعه المعتصم ، فجلس دون مجلسه المعتاد ، فقال له المعتصم:مجلسَك يا أبا محمد !! قال: ما ينبغي لي أن أجلس فيه ، لأن الناس يظنون إن جلست فيه أن لي من أمير المؤمنين ما أشفع به فأشفع ، قال: عد إلى مجلسك . قال: مشفعا أم غير مشفع ؟ قال: بل مشفعا . قال: إن الناس لا يعلمون أنك عفوت عنه حتى تخلع عليه ، فأمر فخلع عليه ، قال: يا أمير المؤمنين إن له رواتب ستة أشهر فمر له به تقم مقام الجائزة ، فأمر له بها ، فخرج والخلع عليه والمال بين يديه ، فناداه رجل مرحبا بك يا سيد العرب ، قال: اسكت ، سيد العرب ابن أبي دؤاد .
وغضب المعتصم مرة على رجل من أهل الجزيرة وجاء به ليقتل على ذنب أتاه ، فتكلم فيه ابن أبي دؤاد ، ثم غلبه البول (ولا مؤاخذة ) فخاف إن خرج ولم يستوف الكلام أن يقتل الرجل ، ولم يعد يطيق الصبر وكانت ثياب تلك الأيام كثيرة فجمع ثيابه تحته وبال فيها ، وأنقذ الرجل فلما قام قال المعتصم: ما لثيابك مبتلة . فسكت . فأعاد السؤال: فاخبره الخبر فكاد يغشى عليه من الضحك .
وكان المعتصم يرد الشيء اليسير يساله ، فيدخل ابن أبي دؤاد يكلمه في أهل الثغور وأهل الحرمين وأهل المشرق فيجيبه ، وسأله مرة صرف الف ألف (مليون ) درهم لحفر نهر في أقصى خراسان وجر الماء إلي بلاد هناك عطشى . قال المعتصم: وما علي من هذا النهر ؟ قال إن الله يسألك عن أقصى رعيتك كما يسألك عن أهلك ومن حولك . ولم يزل يرفق به حتى أمر بصرفها .