فهرس الكتاب
وكان شاعرا بليغا ولكنه مقل ، وقد عده دعبل في كتابه من الشعراء وروى له ومن نبله وعلو منزلته أن الخلفاء لم يكونوا يبدؤون بالكلام وإنما يتكلمون فيجيبهم الناس ، وهو أول من افتتح الكلام معهم ، وكان معهم بين الأدب والعزة ويكلمهم كلام الكفء قال له المأمون مرة إذا جالس الخليفة عالما فمثلك . قال: وإذا جالس العالم خليفة فمثل أمير المؤمنين ، فانظروا إلى هذا الجوا بالعظيم وما فيه من الاعتزاز بكرامة العلم وما فيه من الأدب مع الخلفاء وكان يحسن التصرف ويجيد مخاطبة الملوك ومن قوله: ثلاثة ينبغي أن يبجلوا وتعرف أقدارهم: العلماء وولاة العدل والإخوان ، فمن استخف بالعلماء أضاع دينه ، ومن استخف بالأمراء أضاع دنياه ومن استخف بالإخوان أضاع مروؤته .
وكان يقرب الشعراء والأدباء ويحميهم وقد انقطع إليه اثنان: أحدهما أعظم شعراء العصر العباسي وهو أبو تمام والثاني أعظم كتابه وهو الجاحظ .
وعادى رجلين كبيرين ، عادى الأول للدين والثاني للدنيا ، أما الذي للدين فهو الإمام أحمد بن حنبل (وكان الحق مع الإمام أحمد وهو أفضل منه وأجل قدرا وأقوم سبيلا ) .
وأما الذي عاداه للدنيا فهو الوزير الأديب الشاعر ابن الزيات وكان بينهما خصام ظاهر وهجاء طويل وكان العلو أولا والظفر لابن الزيات ولما صدر المرسوم بأن يقوم له كل من في المجلس إذا دخل ، كان ابن أي دؤاد إذا رآه داخلا ، وقف للصلا ة ، ولكنه ما زال يسلط عليه عقله حتى نكب ابن الزيات وزال من الطريق .
وعاش إلى أيام المتوكل فأصابه الفالج وعزل لكنه بقي نبيلا في مرضه كما كان في صحته ، ولما مات رثي بمراث ندر أن يرثى بها أحد . كما مدح بمدائح لم يمدح بها أحد ، قال أبو تمام
لقد أنست مساوئ كل دهر
محاسنُ أحمد بن أبي دؤاد
وما سافرت في الآفاق إلا
ومن جدواك راحلتي وزادي
وقال مروان بن أب يالجنوب
لقد حازت نزار كل مجد
ومكرمة على رغم الأعادي
فقل للفاخرين على نزار