فهرس الكتاب
حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال ثنا عثمان بن عمر بن فارس قال أخبرنا مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة ل ولم ترفعه قالت: (من رأى هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي) ،حدثنا يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة ل مثله ولم ترفعه، فهذا هو أصل الحديث عن أم سلمة ل فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار [1] .
(1) فالطحاوي ذكر طريقين عن مالك رحمه الله كلاهما أوقف الحديث على أم سلمة وهما طريق إبراهيم بن مرزوق عن عثمان بن عمر، وهذا السند جيد وابن مرزوق تغير في آخره ، والطريق الآخر هو طريق ابن وهب عن مالك وهذا إسناد صحيح جليل لا مطعن فيه ،وقال الطحاوي كما سيأتي في مختصر اختلاف العلماء (3/230) : (( فلم يرفعه عن مالك [غير] شعبة ) )، وقال البيهقي في السنن بعد ذكر رواية شعبة عن مالك وعزاها لمسلم (9/266) : (( ورواه بن وهب وعثمان بن عمر وغيرهما عن مالك عن عمر بن مسلم موقوفا على أم سلمة ورواه محمد بن عمرو بن علقمة الليثي وسعيد بن أبي هلال عن عمر بن مسلم الجندعي مرفوعا ) )اهـ، وهذا من البيهقي إشارة إلى تقوية المرفوع، لأن شعبة رفعه ووافقه على الرفع سعيد بن أبي هلال ومحمد بن عمرو الليثي،ورفعه ابن عيينة عن عبدالرحمن بن حميد وأصر على رفعه، مع مخالفة أنس بن عياض والقطان له وقد تقدم، وممن رجح الرفع أيضا الإمام أحمد والإمام مسلم كما هو ظاهر صنيعه في الصحيح، والترمذي في السنن (ح1523) ، وقال: (( وقد روي هذا الحديث عن سعيد بن المسيب عن أبي سلمة- كذا في المطبوع والصواب أم سلمة- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير هذا الوجه نحو هذا ) )اهـ، وكذا الطحاوي في مواضع كما ذكره عنه ابن عبد البر في الاستذكار وتقدم ،وكذا ممن قوى الرفع ورجحه ابن القيم في تهذيب السنن (7/346) فقال: (( قال الدارقطني في كتاب العلل:(ووقفه عبد الله بن عامر الأسلمي ويحيى القطان وأبو ضمرة عن عبدالرحمن بن حميد عن سعيد،ووقفه عقيل على سعيد قوله،ووقفه يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة قولها، ووقفه ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبدالرحمن عن أبي سلمة عن أم سلمة قولها [ قلت -عمر-: هذا الطريق عن أبي سلمة عن أم سلمة يرويه الحاكم في مستدركه بسند صحيح رجاله ثقات وشيخ الحاكم وشيخ شيخه تنظر ترجمتهما في كتاب الشيخ مقبل رحمه الله(رجال الحاكم) والأثر صححه الحاكم ولكنه جعله شاهدا للمرفوع، والصواب أنه من أقوى ما يؤكد صحة الوقف دون الرفع] ، ووقفه عبدالرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن سعيد قوله، والمحفوظ عن مالك موقوف،قال الدارقطني:والصحيح عندي قول من وقفه)،ونازعه في ذلك آخرون فصححوا رفعه منهم: مسلم بن الحجاج ورواه في صحيحه مرفوعا ، ومنهم أبو عيسى الترمذي قال:هذا حديث حسن صحيح
ومنهم ابن حبان خرجه في صحيحه، ومنهم أبو بكر البيهقي قال:"هذا حديث قد ثبت مرفوعا من أوجه لا يكون مثلها غلطا وأودعه مسلم في كتابه"وصححه غير هؤلاء،وقد رفعه سفيان بن عيينة عن عبدالرحمن بن حميد عن سعيد عن أم سلمة ل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورفعه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وليس شعبة وسفيان يدون هؤلاء الذين وقفوه،ولا مثل هذا اللفظ من ألفاظ الصحابة بل هو المعتاد من خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (لا يؤمن أحدكم..) ، (أيعجز أحدكم ..) ، (أيحب أحدكم..) ، (إذا أتى أحدكم الغائط...) ، (إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه...) ، ونحو ذلك )) اهـ كلام ابن القيم، وكذا رجح رفعه عبيد الله المباركفوري في مرعاة المفاتيح وقبله المباركفوري شارح الترمذي، وكذا جزم العلامة الألباني بصحته مرفوعا في الإرواء وأن مثله لا يقال من قبيل الرأي والاجتهاد (4/378) ، قلت: ولعله لِما وقع فيه من الاختلاف أعرض عنه البخاري فما ذكره في صحيحه، ومما يقوي الوقف ترك مالك العمل بالحديث وإعراضه عن ذكره في موطئه ، وكذا رواية الأحلافي عند النسائي في الكبرى كما تقدم وقتادة عند مسدد في مسنده والطحاوي عن ابن المسيب فبعضهم جعله من فتوى ابن المسيب كعثمان الأحلافي وبعضهم أوقفه عن ابن المسيب عن الصحابة كقتادة ، ورجح ابن عبد البر الوقف في الحديث وأنه لا يصح رفعه وعزا ذلك لأكثر أهل العلم كما تقدم في التمهيد ، وكذا رجح الوقف الطحاوي كما هو ظاهر كلامه في شرح المعاني، ورجح الوقف الدارقطني وأعل المرفوعَ بالموقوف - كما نقله الحافظ في التلخيص 4/138، و ابن القيم في زاد المعاد2/320 - قلت: وكلا القولين قوي ومحتمل، وأحمد اعتمد على الرفع على رواية مالك عن عمرو بن مسلم ، وقواها برواية محمد بن عمرو الليثي، فيقال: إنه لو سُلِّم برفْعِ الحديث من طريق عمرو بن مسلم عن ابن المسيب كما قرر الإمام أحمد ؛فليس هو بمرتبة من أوقفه ممن رواه عن ابن المسيب كالأحلافي وقتادة وعبدالرحمن بن حميد فالوقف قوي والقرائن تدل عليه، وأما ما وقع عند أبي عوانة في مسنده المستخرج على صحيح مسلم (5/61) حيث قال: (( حدثنا ابن أبي ميسرة قال ثنا إبراهيم بن عمرو بن أبي صالح قال ثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة ل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:(من أراد أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشره إذا دخلت العشر ) )، فهذا لايصح والنكارة عليه ظاهرة فهو يرويه إبراهيم بن عمرو عن مسلم بن خالد وكلاهما كثير الخطأ لايُحتمل منهما هذا التفرد عن الزهري، وراويه عن الزهري هو ابن جريج وقد عنعن وقد قال عنه الإمام أحمد: (( إذا قال ابن جريج"قال فلان"و"قال فلان"و"أخبرت"جاء بمناكير ، و إذا قال:"أخبرنى"و"سمعت"فحسبك به ) )اهـ ، وفي رواية ذكر عنعنته فقال: (( فاحذره ) )، وقال ابن معين عن ابن جريج: (( ليس بشىء في الزهرى ) )، فهذا الحديث معلل منكر، وعلله كثيرة فلا يصح أن يُقوَّى به المرفوع.
ولكن ولو رجحنا الوقف - وهو الأظهر عندي حتى الآن - فالنهي يبقى ثابتًا محفوظا لآثار الصحابة - رضي الله عنهم - ولكنه لا يفيد التحريم، بل هو إما محمول على خلاف الأولى أو للكراهة وهو قول طائفة من الحنابلة، وهو المذهب عند الشافعية كما نص عليه النووي في المجموع (8/285) ، ويقوِّي القول بالكراهة دون التحريم أن الحكمة من النهي كما هو المختار ورجحه الشافعية هي أن يبقى كامل الأجزاء بجميع شعره وبشره وظفره ليُعتق كل جزء منه من النار بكل جزء من أضحيته فالأضحية بمنزلة الفداء، وقد يقوِّي الكراهة أيضًا دون التحريم حديث عائشة في الصحيحين، والتحريم قوي بقدر قوة المرفوع - والله أعلم - .