فهرس الكتاب
وأما النظر في ذلك فإنا قد رأينا الإحرام ينحظر به أشياء مما قد كانت كلها قبله حلالا منها الجماع والقبلة وقص الأظفار وحلق الشعر وقتل الصيد فكل هذه الأشياء تحرم بالإحرام وأحكام ذلك مختلفة، فأما الجماع فمن أصابه في إحرامه فسد إحرامه وما سوى ذلك لا يفسد إصابته الإحرام فكان الجماع أغلظ الأشياء التي يحرمها الإحرام ثم رأينا من دخلت عليه أيام العشر وهو يريد أن يضحي أن ذلك لا يمنعه من الجماع، فلما كان ذلك لا يمنعه من الجماع وهو أغلظ ما يحرم بالإحرام كان أحرى أن لا يمنع مما دون ذلك فهذا هو النظر في هذا الباب [1]
(1) وهذا النظر لا يُسَلَّمُ به وإنما يلزم به من قال: (إن المضحي نُهيَ عن ذلك تشبيهًا له بالمحرم من كل وجه) ،وقد ردَّ بعضُ أهل العلم هذا الأمر وبينوا أنه إنما منع من أخذ الشعر ونحوه لأن أضحيته بمثابة الفداء له فاستُحِبَ له أن يفديَ نفسه وهو على أكمل خِلْقَةٍ وحال، قال النووي في شرح مسلم (7/154) : (( قال أصحابنا:والحكمة في النهيِ أن يبقى كامل الأجزاء ليُعتق من النار،وقيل:التشبه بالمحرم، قال أصحابنا:هذا غلط لأنه لايعتزل النساء ولايترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم ) )اهـ، وذكر النووي هذا في المجموع أيضا (8/285) ، وسيأتي نحوٌ من هذا في نقل المناوي في فيض القدير، وذكر الشوكاني في النيل - كما سيأتي - قولي الشافعية وأقرهم على تخطئة الثاني ، ومما قال الشيخ صالح آل الشيخ في محاضرته أحكام الهدي والأضحية/مادة مفرغة: (( أصل مشروعية الأضاحي ما قصَّ الله جل وعلا علينا من خبر إبراهيم عليه السلام مع ابنه حيث قال جل وعلا: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102] ، إلى أن قال جل وعلا: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ(103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ (105) [إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاَءُ المُبِينُ (106) ] ( ) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:103-107] ، فَفُدِي إسماعيل عليه السلام بكبش أمَرَ الله جل وعلا إبراهيم أن يذبحه بدل ذبح نَفْسِ إسماعيل، وإبراهيم عليه السلام إمام الموحدين وإمام الحنفاء، وإسماعيل عليه السلام كذلك إمام الموحدين وإمام الحنفاء وأبٌ للعرب، وإبراهيم أب للعرب ولغيرهم، فدلّ هذا على أن هذه السنة مضت بفعل إبراهيم عليه السلام حيث إن أصل الذبح كان فداءً لإسماعيل عليه السلام من الذبح ، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله وغيره من أهل العلم: إن أصل مشروعية الذبح في الأضاحي والهدي إن أصل مشروعيته هو فداء النفس، والمقصود من ذلك المنة بما عوّض الله جل وعلا إبراهيم عليه السلام عن ذبح ولده وقرة عينه بذبح الكبش، وما اختص الله جل وعلا إسماعيل أيضا به من الامتنان والفضل ))اهـ.