وقبل الوفاة أوصى خدمه بتقوى الله تعالى وطاعته وحفظ الأمانة التي سوف يعهد بها إليهم.
وهكذا.. فقد أعطى التاجر لكل واحدٍ من خدمه كيسًا من الذهب وكيسًا من الفضة طبقًا لوصيته التي أوصى بها أبناءَهُ قبل سفره.
وبعد وفاة التاجر عاد خَدَمُهُ إلى أرض سيدهم بما كانوا يحملون معهم من أكياس الذهب والفضة التي استودعهم إياها ذلك التاجر الصالح.
وبعد أن سلَّم كل خادم إلى أبناء التاجر ما كان معه من مال، وقع أمر لم يكن يخطر ببال أحد من أبناء التاجر، حيث أنهم بعد قبضهم أمانة أبيهم وجدوا أن أكياس الذهب كانت كلها على النعت الذي أسرَّ إليهم به أبوهم، ولم تكن تختلف لا في العدد ولا في الوزن بل كانت متماثلة تمامًا، إلا أن أكياس الفضة لم تكن على النعت الذي عهدوه، إذ إنها كانت مختلفة كل الاختلاف من حيث عددها ووزنها، فبعض الأكياس - مثلًا - يحتوي على خمسين قطعة فضية، والآخر يحتوي على تسع وأربعين، وفي الآخر لا شيء يذكر، وأما الآخر فلم يكن فيه سوى البرونز بدل الفضة!!
وهنا لم يكن أمام الأبناء إلا أن تملَّكتهم الحيرة، ولم يجدوا تعليلًا أو إجابة شافية لهذا الأمر الذي لم يكن بحسبان أحد منهم، ولكنهم وصلوا بعد طول تفكير ومراجعة أن جميع الخدم والحال هذه مشكوك في أمرهم، وأن أغلبهم إن لم نقل كلهم قد همَّوا بخيانة سيدهم، ولكن السؤال الوحيد الذي لم يجدوا له إجابةً شافيةً: لماذا لم يمدوا أيديهم إلى أكياس الذهب؟! ولماذا أكياس الفضة بالذات؟ ولماذا.. ولماذا.. أسئلة كثيرة أشغلت بالهم وبلبلت أفكارهم إلا أنهم لم يجدوا ما يشفي غليلهم.
وفي الأخير وصلوا إلى تعليل واحد وإجابة واحدة، ولم يسعفهم إلا تفسير واحد لكل ما حصل أنه ولابد من وجود قدرة خفية وحكمة لا تدخل تحت إدراك البشر حالت بينهم وبين تلك الأكياس الذهبية!!