لا يخفى على كل ذي نظر متأمل في كتاب"المجاز"أن صاحبه لغوي في المقام الأول، عليم بلغات العرب وغريبها، يوجه اهتمامه الأول عند التفسير إلى شرح ما يراه يستحق الشرح من مفردات القرآن، مستعينًا ببعض الآيات المماثلة أو فصيح الكلام، من غير أن يغفل الاستشهاد بالشعر القديم، وخاصة الرجز الممتلئ بأوابد اللغة وشواردها (30) . وقد يحدد نوع الكلمة ووزنها (31) ، وكثيرًا ما يبدو ذا حس لغوي مرهف ومثال ذلك إدراكه فرق المعنى بين كسر العين وفتحها في كلمة"عوج"في الآية: (تبغونها عوجًا( [آل عمران: 99] . إذ يقول: مكسورة الأول لأنه في الدين، وكذلك في الكلام والعمل، فإذا كان في شيء قائم نحو الحائط، والجذع، فهو عوج مفتوح الأول(32) ، ويستطرد في شرح مفردة لا علاقة لها بالآية، كان يشرح اسم صاحب الشاهد الشعري (33) ، أو مفردة من الشاهد (34) ، أو من كلامه، ويأتي لها بالشاهد مما يدل على تبحره باللغة فمن ذلك مثلًا شرحه الآية: (قاتلهم الله( [التوبة: 30] ، قتلهم الله، وقلما يوجد فاعل إلا أن يكون العمل من اثنين، وقد جاء هذا ونظيره ونِظْره: عافاك الله، والمعنى أعفاك الله، وهو من الله وحده والنظر والنظير سواء مثل ندّ ونديد، قال:
ألا هل أتى نظري مليكة أنني" (35) ."
وقد أشاد الطبري بهذا التفسير (36) ، كما أقر في مواضع كثيرة من تفسيره ببصر أبي عبيدة بكلام العرب ونقل عنه (37) ، وبعد ذلك يحق له أن يسن القواعد اللغوية (38) ، وأن يكون له تفرده فيخالف غيره من العلماء في بعض أمور اللغة كالفراء والكسائي (39) . ويكون له مذهب في التفسير (40) .
وربما مر بتعليل حركة كلمة فقال:"زعم النحويون" (41) ، وكأنه يقر أنه لغوي أولًا، واهتمامه بالنحو محدود لأنه يذكر رأيهم فلا يعلق عليه. ومما يؤكد ما نذهب إليه قول صاحب اللسان:
"وقال الأزهري: أبو عبيدة صاحب بالغريب وأيام العرب وهو بليد النظر في باب النحو ومقاييسه". (42) .
ثانيًا: أبو عبيدة البلاغي: