لقد سبق وعرفنا أن تأليف كتاب المجاز كان بسبب مسألة بلاغية في القرآن، تتعلق بالتشبيه (طلعها كأنه رؤوس الشياطين( [الصافات: 65] ، فلا غرابة أن نجد أن أبا عبيدة يهتم بإيضاح المسائل البيانية الموجودة في القرآن، ويجد لها ما يماثلها في كلام العرب وأساليبهم في التعبير، وقد صارت هذه المسائل فيما بعد مسائل في البيان العربي(43) ، حتى وصل الأمر بالأستاذ إبراهيم مصطفى إلى أن وجده أسبق من الإمام عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ) ، في وضع أسس علم المعاني الذي فصله النحاة فيما بعد عن معاني النحو فأزهقوا روح الفكرة (44) ، كما عده آخر أول من كتب في علم البيان (45) .
ولا بد من التدليل على هذا الكلام فنحدد ما جاء في الكتاب من أمور بلاغية، لأن كل كلام يفتقر إلى الدليل القاطع يبقى في حيز الافتراض فإليك البيان:
1 ـ المجاز العقلي حيث قال في قوله تعالى: (والنهار مبصرًا( [يونس: 67] ، له مجازان أحدهما: إن العرب وضعوا أشياء من كلامهم في موضع الفاعل، والمعنى أنه مفعول، لأنه ظرف يفعل فيه غيره لأنه لا يبصر ولكنه يبصر فيه الذي ينظر، وفي القرآن: (في عيشة راضية( [الحاقة:21] . وإنما يرضى بها الذي يعيش فيها، قال جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم
والليل لا ينام وإنما ينام فيه، وقال رؤبة:
"فنام ليلي وتجلى همي" (46) .
ب ـ الكناية والتشبيه المصرح بهما من غير تفصيل في مثل قوله: (نساؤكم(47) ، حرث لكم ( [البقرة: 223] ، كناية وتشبيه قال: (فأتوا حرثكم أنى شئتم(، [البقرة: 223] ،(47) . وفي بعض الأماكن يريد الكناية من غير أن يصرح باسمها (48) أما مجاز التمثيل فيعني عنده التشبيه أو تشبيه التمثيل كما في تفسير قوله تعالى: (على شفا جرف هار (( 49) ، [التوبة ـ 109] .
ج ـ الاستعارة: وإليها يشير إشارة تفهم من خلالها (50) وقد يخلط بينها وبين التشبيه (51) .