الصفحة 7 من 36

أما الفريق الثاني فيمثله القائلون بالوجود الحقيقي للأشياء وبقدرة الإنسان على المعرفة. ولئن كان مذهب الشكاك مستندًا إلى افتقار الإنسان للقدرة على سد الفجوة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة؛ فإن أصحاب التيار اليقيني يرون عكس ذلك، فلا يرون حائلًا دون قيام معرفة إنسانية ولقد تبدى هذا التيار في مسارين رئيسيين رافقا الفلسفة عبر أزمانها المختلفة، وبرزا بصورة أكثر وضوحًا في عصرها الحديث؛ أعني التيار العقلاني والتيار التجريبي.

على صعيد العقل المسلم فلعله مما يحسب للفلسفة الإسلامية أنها كانت ثمرة بيئة استقت من منهل الوحي القرآني، فقُدِر لها أن تجيء مبرأة من كثير من التيارات والنزعات الارتيابية والشكية التي غشيت الفلسفة الغربية في أصولها الإغريقية الوثنية، وهكذا مضت السنة لدي سائر الأصوليين والمتكلمة على السواء في مؤلفاتهم الاستهلال ببيان بطلان دعاوى منكرين الحقائق ودحض موقفهم، وإثبات العلوم الضرورية، وهذا منحي عام نجده في سائر مؤلفات متكلمة المسلمين أو فلاسفتهم [1] .

فلا غرو أن المتأمل في المنتوج الفكري لدي المسلمين عامة سواء عند المتكلمة أو الفلاسفة أو الأصوليين؛ يجده خاليًا من أي تصور ينكر إمكان قيام المعرفة الإنسانية فذلك مما يتنافي وأصول الدين وأسسه، لذلك كان إجماع فلاسفة الإسلام ومتكلميه على السواء حول القول بإمكانية المعرفة الإنسانية واليقين بقيامها.

(1) أنظر مثلًا الجرجاني، الشريف على بن محمد: شرح المواقف للقاضي عضد الدين الإيجي، بيروت، الدار العلمية، الطبعة الأولى 1998م، 1 /131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت