الصفحة 6 من 36

يقتضي البحث في قضية المعرفة على الصعيد الفلسفي التعرض ابتداءًا لقضية إمكان المعرفة، وهي تعد من أقدم وأعتق المسائل التي تم إثارتها في الفلسفة من فترة باكرة من تاريخ التفلسف الإنساني، ومن ثم فإن أولي القضايا التي درج الفلاسفة مناقشتها فيما يلي مبحث المعرفة محاولة الإجابة عن السؤال التالي: هل في وسع الإنسان أن يعرف شيئا؟ ونلحظ أن الإجابة التي قدمت في إطار الفلسفة الغربية عن هذا السؤال تنبئنا عن فريقين رئيسيين:

فريق أول ذهب إلي مصادرة قدرة الإنسان على أن يعرف شيئًا، منكرًا قيام المعرفة، وهؤلاء هم الشكاك أو أصحاب الشك المطلق أو مبطلو الحقائق كما سماهم المسلمون، فمنذ عصر باكر للفلسفة الغربية سادت موجة من الشك المطلق تجسدت في مقولات السفسطائيين الذين برزوا في اليونان إبان القرن الخامس قبل الميلاد.

لقد كانت نقطة البداية في تصور هذا الفريق هي إنكارهم التفرقة بين نوعيّ المعرفة العقلية والحسية فقالوا: إن المعرفة طريقها الحواس فقط؛ ولما كانت الحواس تختلف باختلاف الأشخاص، بل إن الحس والإحساس ربما تجلي مختلفًا لدي الفرد الواحد باختلاف الظروف والملابسات المحيطة به، فالنتيجة تبعًا لذلك هي أن المعلومات والمعارف تختلف من شخص لآخر ومن ظرف لآخر بالنسبة للشخص الواحد، وخلصوا إلي أنه لا توجد حقيقة واحدة مطلقة بل هناك حقائق كثيرة نسبية، وهو ما عبر بروتوجوراس في مقالته:"إن الإنسان مقياس الأشياء جميعها". ولقد كانت نتيجة تلك الآراء الإنكار التام لقيام المعرفة الإنسانية والشك المطلق [1] .

(1) ولتر ستيس: تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية 2005، ص 81 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت