من منطلق الوحدة هذا ينطلق الإسلام. فالإسلام يرقى بالوحدة بين الأحياء والأجناس والأجيال جميعًا والعالم، إلا أن منطلق هذه الوحدة والسلام هو توحيد الله، إذ أنها تنفي تعدد النظم وأسباب التعارض والاصطدام، فالإسلام قد قام على أساس العقيدة الواحدة، فكانت الشعوب التي كونها العالم الإسلامي أقوى أسرة عرفها التاريخ، فانصهرت الثقافات المختلفة وكونت ثقافة إسلامية عالمية واحدة [1] .
وترفض هذه العقيدة جميع أشكال الروابط المتعددة التي تربط العالم كرابط الوطن أو الأصل أو الجنس أو الفرد في تكوين الأمة أو وحدة المصالح الاقتصادية. أما الفكر الجاهلي الحاضر فلا يفكر في وحدة العقيدة والدين. فقوله تعالى { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [2] ينفي شرعية كل أنماط الاجتماع في الجاهلية [3] .
فالإسلام يرتضي إقامة علاقات دولية قائمة على الثقة، فشرف الإسلام الدولي تؤهله للوفاء بعهوده وتأمين المبعوثين والمفاوضين وحصانتهم، فلا يمسون بسوء في ظرف من الظروف. فالإسلام يوفي بالتزاماته ويوفي بعهوده { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا } [4] . بل إنه يعتبر هذه الآية كأساس للقانون الدولي. ولا يجوز باسم المصلحة أو غيرها نقض العهد أو عدم الوفاء به.
(1) المصدر نفسه، ص14-15، والندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص296 - 297.
(2) القرآن الكريم، سورة التوبة الآية 24.
(3) ياسين، مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة، ص173- 174.
(4) القرآن الكريم، سورة الاسراء الآية 34.