لهذا، فالمواجهة التي يتحدث عنها الأصوليون، والتي لا تتقيد بزمان أو مكان والتي تهدف إلى قلع الجاهلية برمتها لا تتوقف عند الإمكانية العملية لهذا القلع أو التدمير، وهذا الأمر كذلك لأن إمكانية الربح أو الخسارة ليست المعيار المطلق لشن المواجهة بل تقوم على مثالية لا تمت إلى الواقع بصلة، فقولهم، مثلًا، إن الجهاد لا يهدف إلى الدفاع عن الأمة فقط بل إلى تخليص البشرية من ربوبية الطاغوت ما هو في حقيقته إلا نفي لواقع الأمة المرير، فكيف يمكن تحرير العالم ممن هو محكوم من هذا العالم؟ ألا يجب البدء بالنفس ثم بالآخرين؟
أما أساس السلام وقاعدته عند الأصوليين والمتمثلة بخضوع الجميع للمظلة العالمية للنظام العالمي الإسلامي بدون ابتزاز أو إكراه وتلك في الحقيقة وصفة لا يمكن تطبيقها إلا بقهر العالم وإخضاعه للمفاهيم السياسية عند المسلمين، وهذا إذا تمكن المسلمون فعلًا في عصرنا الحاضر من السيطرة على العالم، ولهذا يقول الأصوليون إن الإسلام لا يهدف إلى إدخال جميع الناس في الإسلام بل إلى إخضاع الجميع إلى نظامه. وعليه، فالحرية الدينية محفوظة للجميع ولا ينكرها الأصوليون من حيث المبدأ، لكن على على الجميع الخضوع للشريعة إما بإقامة شعائر الدين وأركانه عند المسلمين أو الجزية والمحاربة لغير المسلمين، فالإسلام السياسي يجب أن يسيطر على الحياة العامة. فعلى الرغم من أن دخول الإسلام هو عمل فردي وطوعي لا إكراه فيه، إلا أن الخضوع لشريعة الإسلام هو عمل فردي وجماعي يتأتى طوعًا وكرهًا، ولكن هل أخضاع العالم للشريعة الإسلامية دون إيمان العالم بها مؤد إلى السلام العالمي الأكبر، كما يدعي الأصوليون، أم أنه في الحقيقة شكل آخر من أشكال السيطرة والهيمنة باسم الدين والأخلاق؟ ألا يمكن للسلام في الإسلام أن يتحقق إلا عند امتداده إلى العالم كله؟