ومن الصحيح أيضًا أن الإسلام يتميز في علاقاته مع العالم بنظرة أخلاقية تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل الأمة وخارجها، فالعالم اليوم لا يتحرك إلا من ضمن مصالحه المادية ومن ضمن سعيه للسيطرة على العالم وشعوبه وموارده من منطلق الاستغلال للشعوب، وبخاصة شعوب العالم الثالث بما فيها الشعوب الإسلامية، فلا تتحرك القوى العالمية لأي عمل أخلاقي أو إنساني إلا إذا كان في ذلك مصلحة مادية وسياسية لهذه القوى فالمحرك الأكبر لعلاقات الأمم المسيطرة على النظام العالمي هي مصلحتها الخاصة، لا مصالح الأمم الأخرى إلا بقدر خدمتها لمصالح الأمم المسيطرة ويدرك الأصوليون هذه الآفة في النظام الدولي، ولهذا يعتبرونه نظامًا احتكاريًا غير عادل، ولا يمكن للأمة الإسلامية أن تتعايش معه. إذًا، فالأصوليون برفضهم هذا النظام العالمي بسبب عدم إنصافه وجوره وماديته واستغلال للشعوب الأخرى. فهم يرفضون جميع أشكال الروابط التي لا تنبع أصلًا من طبيعة الإسلام.
وختامًا، يمكننا القول إن الأصولية الإسلامية المتشددة المعاصرة لا ترى السلام من منطلق الكف عن الحرب والجهاد من أجل المدافعة عن ديار المسلمين فقط كما فعلت الإصلاحية الإسلامية الحديثة، بل تجاوزت الأصولية للمفاهيم القديمة والحديثة للحرب والسلم وربطتها بمنهج كلي شمولي لا ينفصل عن نظريتها إلى الإسلام. فعالمية الإسلام تمنعه من التقوقع داخل دولة واحدة أو عدة دول، بل إن عالميته تجعله بديلًا عن جميع الأنظمة القائمة وعلى الأقل خصمها الأكبر، كما ان الأيديولوجيا العالمية الإسلامية، في رأي الأصوليين ، تجعله بديلًا عن الأيديولوجيات العالمية وعلى الأقل ندّها الأكبر، لهذا فان الجهاد والسلام والحرب والمهادنة ما هي إلا وسائل لتحقيق رسالة الإسلام الكبرى وهي وحدة الإنسانية تحت راية الشريعة الإسلامية.