وهكذا، يقرر الترابي أن المرجعية السياسية العليا هي للمجتمعات، والتي تبرم عقدًا بينها وبين الحكم الذي تختاره لتنظيم شؤونها. وحكم الحاكم ليس بأكثر من تفويض شعبي لخدمة مصالح المجتمعات. لذا، يتقبل الترابي مشروعية أي نظام قام على التبادل العقدي، حيث لا يتعدى الحاكم على حريات الأفراد والجماعات التي ينص عليها القرآن الكريم. ويضع الترابي هذا الشرط لأنه يعتبر أن المخاطب في الخطاب القرآني هو الناس، جماعة وأفرادًا، لا الحكم وهكذا، فإن الدستور الإسلامي الحقيقي لابد من أن يؤمن الحريات العامة والفردية. لذا، تشكل المجالس التمثيلية ضرورة لضبط إمكانية تسلط الحاكم دون وجهة حق [1] .
كما ينظر الترابي إلى حرية إقامة المؤسسات السياسية كضرورة مطلقة من أجل التوصل إلى صحوة إسلامية حقيقية. إذ ان الإصلاح الذي يفتقد إلى إعادة تنظير فلسفي وسياسي حقيقي لن يفضي إلى أي ثورة ثقافية. فالتدين حسب التقاليد المتعارف عليها لن يوصل إلى الثورة. فالثورة تنبثق من الدين وتتعالى عن المصالح الضيقة وتتأسس على الإجماع الاجتماعي. إذ أن الشورى هي مصدر المصالح العامة؛ كما أن السياق الاجتماعي هو البيئة التي تمكن الفرد من ممارسة حريته [2] .
(1) الترابي: قضايا الحرية والوحدة، الشورى والديمقراطية، الدين والفن، ص51-57، وتجديد الفكر الإسلامي، ص45-97 و 162- 163.
(2) حسن الترابي: الإيمان: أثره في حياة الإنسان ( جدة: الدار السعودية، 1984) ، ص181- 261 و269 - 329، وتجديد الفكر الإسلامي ، ص106 - 119 و200.