مثل هذه التطورات لا تتأتى عند الترابي من مجرد تعديلات وتغيرات سطحية أو جزئية، بل لابد من إعادة نظر فكرية شاملة وإعادة بناء البنى الاجتماعية لتجارب الجماعة من منظور برنامج حديث. ولا ينبغي أن يفضي هذا البرنامج إلى معالجة موضوعات جزئية فقط، كموضوع المرأة، بل لكل المسائل المعاصرة. أما البداية، في رأي الترابي، فتتوقف على تحرير الأفراد والجماعات من جميع أنواع القيود من أجل البحث عن وسائل التطور الحديثة؛ إذا أن التجربة التاريخية للمسلمين غير صالحة اليوم، كما أن لا فائدة منها للمسلمين المعاصرين. إذ ان المسلمين اليوم يعيشون في عالم لم يشاركوا في صنعه؛ وعليهم بالتالي البدء بتطوير فكر جديد يلائم المستجدات الحديثة، وهذا في الحد الأدنى [1] .
وهكذا، يطالب الترابي بتطوير الفكر عبر إعادة تأسيس فقه حديث، عماده حرية البحث والاجتهاد، ودون القيود التي فرضها العلماء والدولة عبر العصور الإسلامية. إن مثل هذا الفقه الحديث يؤسس لبداية نهضة إسلامية حقيقية ولصياغة دور جديد للدولة الإسلامية، والتي تلتزم بالحكم عبر شورى الأمة وتقنين رأي الجماعة. كما يجب أن تتجنب الدولة الإسلامية فرض رؤية محددة على الجماعة والمجتمع وعدم منع قيام جيل جديد من العلماء المستقلين الذين هم نواة تطوير الفكر الإسلامي وإعادة صياغة مناهجه الآن. إذًا، على الدولة الإسلامية عدم الاستيلاء على الحقوق العامة للجماعة، مثل حرية التفكير والتشريع [2] .
(1) الترابي، تجديد الفكر الإسلامي، ص108 - 109 و 133 - 163.
(2) الترابي، أصول الفقه الإسلامي، ص18-35.