فلا يمكن للإنسان أن يستقر في هذا الكون دون رباط معين يضمن له الاستقرار، أي لابد من عقيدة تفسر له ما حوله وتفسر له مكانته. وهناك تلازم ما بين طبيعة التصور الاعتقادي وطبيعة النظام الاجتماعي الذي هو فرع من التفسير الشامل لهذا المصدر. فالتصور الإسلامي ينبثق في الضمير ويتفاعل مع المشاعر ويتلبّس الحياة. فهو وشيجة بين الإنسان والوجود أو بين الإنسان وخالق الوجود وتتلقاه الكينونة الإنسانية بجملتها من بارئها. وتعطي ربانية هذا التصور قيمته الكبرى وتبرئه من النقص والجهل والهوى. كما أنه يلبي الكينونة الإنسانية بجملتها ويدخل كذلك في دائرة إدراكها، لكنه أكبر وأوسع من الكينونة الإنسانية بجملتها. فهو مجال السرمدية الأزلية الأبدية الكلية المطلقة. إن ربانية التصور الإسلامي تجعله بخلاف التصورات البشرية. فهو ليس بحاجة في ذاته إلى تطوير وتغيير لأن واضعه يرى بلا حدود زمانية او مكانية ويعلم بلا عوائق الجهل والقصور وبختار بلا تأثر من الشهوات والانفعالات ويضع اصلًا ثابتًا للبشرية في جميع أزمانها وأطوالها.
من هذا المنطلق ترى الأصولية ان الإسلام ليس ضروبًا للعبادات بل يجب فهمه فهمًا واسعًا ينظم شؤون الدنيا والآخرة ويفتي في كل شأن فيها ولا يقف مكتوفًا أمام المشاكل الحياتية. من ناحية أخرى يؤمن الأصوليون بأن الإنسانية افتقدت لقرون عدة نظامًا شاملًا للقوى الكونية والإنسانية. فهي ما زالت تحاول فصل القوى المادية عن القوى الروحية [1] . كل هذا أدى إلى عدة مشاكل أساسية منها:
(1) البنا، المصدر نفسه، ص168 - 169؛ قطب، المستقبل لهذا الدين، ص129، والندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص136 و 217- 220.