إن الطائرات التي تقصف وتنسف القرى والمدن ليست مسؤولة بل الإنسان. علاوة على هذا إن الغربيين يستعملون الآلات وكأن ليس للإنسان وراء اللذة والانتفاع المادي والعلو في الأرض مقصد ولا غاية، فاختلطت الغايات بالوسائط، واستعمل الغربيون قوة العلم في التغلب على الناس وقهر المنافسين، وتنافسوا في اختراع الآلات التي ينالون بها وطرهم ويحجزون بها غيرهم. إلا أن هذه الأمور الثلاثة لا تفضي بالأصوليين إلى رفض العلم بحد ذاته، بل قبول العلم من الناحية المجردة والتطبيقية على أن لا يحاول أن يفرض حلولًا فلسفية في نتائجه التجريبية [1] . ويرى الأصوليون أن وضع هذه المخترعات والمكتشفات الجديدة أصبحت تسبب ضررًا أكبر من نفعها تصديقًا لقوله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } [2] . إلا أن هؤلاء الذين يحاولون إنشاء تصورات اعتقادية من عند أنفسهم أو إنشاء تصورات فلسفية لتفسير الوجود وارتباطه كانوا أشد ضلالًا وأكثر خطرًا على حياة البشرية. وقد نشأ هذا كله من تدخل الفكر البشري، بالإضافة والتأويل والتحريف للأصل الرباني. لهذا يجب عند محاولة التجديد الديني عدم إدخال أي عنصر بشري على التصور الرباني. من ناحية ثانية، يفتح التصور الإسلامي للعقل البشري وللعلم البشري ميدانه واسعًا كاملًا، ولا يقف دون العقل يصده عن البحث بل يدعوه إلى هذا البحث ويدفعه إليه ولا يقف دون العلم البشري في المجال الكوني. بل هو يوكل أمر الخلافة كله، في حدود التصور الرباني، للعقل البشري.
(1) في هذه المواضيع، انظر: الندوي، المصدر نفسه، ص219- 220؛ قطب: خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، ص66-80 ، ومعالم في الطريق، ص140، وعبد الجواد ياسين، مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة ( القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1986) ، ص158- 159.
(2) القرآن الكريم، سورة البقرة الآية 102.