في ظل مثل هذه الحضارة فإن الحياة الإنسانية مهددة. إذ إن كل ما يجعل الإنسان إنسانًا هو في طور التدمير، وهذا بسبب أيديولوجياتها العاجزة عن إيجاد المعالجات الأساسية لمشكلاتها بسبب سطحية هذه الأيديولوجيات. فهي تعمل على كبت الطاقات غير المادية أو ضياعها، وهذا يؤدي إلى القلق على المستقبل والأمراض النفسية والعصبية النفسية. فالإنسانية بأمس الحاجة إلى الإسلام؛ فقادة العالم يفشلون في مؤتمراتهم ويخرقون معاهداتهم، والمنظمات الدولية أشبه بأشباح لا روح فيها، والقوي فيها يسيطر على الضعيف. ولقد تحولت أوروبا عن المثل والفضائل والمبادئ الإنسانية إلى الجاهلية المادية، وأصبحت اللذة والمتعة مبادئها. لقد فقدت مقاصد الحياة السامية عبر نبذ الأخلاق والمبادئ الروحية وإنكار تعاليم الرسل وفقدان الوازع الديني.
فالجاهلية المادية تقود إلى النار والدمار والاضطراب والتناحر والفوضى الاجتماعية والانحطاط الخلقي والقلق الاقتصادي والإفلاس الروحي. فالحضارة العالمية اليوم تتفتت تحت مطارق المادية غير الملائمة للإنسان حيث إنها لا تخدم خصائصه وتعامله بمقياس آلي. فبانحدار التفكير بين الزعماء وساسة الشعوب لم يعد لديهم أي فلسفة يقودون بها العالم إلاّ فلسفة المصالح المادية والمطامع الاستعمارية ومناطق النفوذ والاستيلاء على المواد الخام بنهم لا مثيل له. لقد اختفت المثل العليا عند هؤلاء الحكام وتبخرت مبادئ العدالة الاجتماعية ومبادئ الأمم [1] .
(1) قطب، المصدر نفسه، ص7-8؛ البنا، المصدر نفسه، ص168 و 331 - 332، والندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص258 - 259.