فهرس الكتاب
الثالث:- إن كثيرًا من المحدِّثين يذكرون المخالف بمبهمًا بقولهم: « خالفه النَّاس أو خالفه الثِّقات أو خالفه غيره » [1] ، ويعتمدون ذلك ، ولم يرُدُّ من بعدهم قولهم بحجَّة أنَّ ما ذكر مبهم ، والمخالف ثقة مسمىً ، فدلَّ هذا على اعتماد ما ذكر إلا إذا ثبت بالأدلَّة أو كلام السَّابقين ما يخالف قول المعِلِّ .
الرابع:- أنَّ الأصل عند المحدِّثين التَّرجيح بين الرِّوايات المختلفة - لحديث واحد - ثم الجمع بينها عند تكافئ [2] الأدلَّة ، خلاف ما تقرَّر في الفقه وأصوله من الجمع بين المتون المتعارضة بادئ الرَّأي ، ثم التَّرجيح عند تعذر ذلك بقواعد مقررة هنالك ، لأن قواعد هذا العلم غير ذاك ، ولا يلزم من ذلك خطأ أحد المنهجين .
فالنَّاظر في كتب العلل وترجيحات علماء الحديث ، يجد أن نسبة القول بالجمع بين الرِّوايات المختلفة قليلة جدًا بالنِّسبة لما رجَّحوه من روايات ، فهذا بيان للواقع الذي استند على أدلة وقرائن أدَّت إلى هذه النَّتيجة الاستقرائية .
فلا يصار إلى القول بالجمع بين الرِّوايات أو القول بالاضِّطراب إلا بعد محاولة التَّرجيح بالقرائن الآتي ذكرها .
قال ابن حجر في بيان ذلك: « وإذا كان شعبة - وهو أتقن من غيره - حَفِظَ عن خبيب فيه الشَّكَّ ، فذاك دليل على أنَّ خبيبًا لم يضبطه ، فلا يحتاج إلى الجمع الذي جمعه ابن خزيمة ، ثم هجم ابن حبَّان فجزم به » [3] .
(1) الأمثلة على ذلك كثيرة جدًا منها:- العلل لابن أَبي حاتم (1/19و66و2/44و208) وعلل الدارقطني (2/14و4/143)
(2) يأتي قول لابن خزيمة ينص على ذلك (ص3) .
(3) النكت لابن حجر (2/881) ، وربما خالف ابن حجر ما قرره هنا ، فيجمع في شرح للبخاري بين روايات مختلفة ، فينقده بعضهم بالتكلُّف في ذلك ، وهذا ظاهر في مواضع يسيرة فحسب ، ولعله في القصص أكثر منه في غيره .