فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 433

وللتَّرجيح قرائن خاصة أخرى يمكن استنباطها من تعليلات الحفَّاظ ، والنظر في سياق كلامهم ، واستخراج أسباب ترجيحهم رواية على أخرى ، مع التَّنبُّه إلى أنَّه قد تقدَّم قرينةٌ على أخرى لأسبابٍ تظهر من كل حديثٍ بعينه .

ومن الأمثلة على اختلاف الحفاظ في الترجيح بسبب الاختلاف في تقديم القرائن قول ابن أبي حاتم: « سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه الثوري عن الزبير ابن عدي عن أبي رزين عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المعوذتين .

قال أبو زرعة: ورواه عنبسة بن سعيد قاضي الري عن عمرو بن أبي قيس عن الزبير بن عدي عن أبي رزين عن حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال أبو زرعة: حديث عنبسة وعمرو أشبه عندي اذا اتفق عليه النفسان ، وهما الرواة عن الزبير ، وأخاف أن يكون اشتبه على الثوري عاصم عن زر ، ولعله من الزبير .

قال أبي: حديث الثوري أصح عن أُبيّ ، وهو أحفظهم وأعلى من هؤلاء بدرجات والحديث بأُبي أشبه إذْ كان قد رواه عاصم عن زر عن أبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس لحذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المعوذتين معنى » [1] .

فاختلافا في قرينة الترجيح ، فبينما اعتمد أبو زرعة على العدد والاختصاص ، اعتمد أبو حاتم على الحفظ والمتابعة القاصرة .

ومما سبق يتبين إجمالًا إنه ينبغي في الترجيح بين الرواة الثقات عند خفاء القرائن العامة النظرُ في تراجمهم لاستنباط قرائن خاصة دقيقة تساعد على الحكم بدقة ، كما لو كان الراوي معروفًا بقصر الأسانيد أو وقفها كما هو مذهب بعض السلف ، وصرَّح به أحمد بن حنبل فقال: « وكان من مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه » [2] .

وقال الدَّارقُطني إنَّ ابن سيرين وابن عون ومالك ربما أوقفوا المرفوع أو أرسلوا الموصول [3] .

(1) العلل (2/54-55) .

(2) رواية المروذي (78) وشرح العلل (2/689) .

(3) علل الدَّارقُطني (10/14و23و6/63) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت