الصفحة 10 من 40

قال ابن الأنباري:"لا يُعرف في كلام العرب «سَبَتَ» بمعنى استراح، إنما المعروف منه قَطَعَ، ولا يوصف الله عز وجل بالاستراحة؛ لأنه لا يتعب فيستريح، ولا يشتغل فينتقل من الشغل إلى الراحة، والراحة لا تكون إلا بعد تعب وشغل، وكلاهما زائل عن الله عزَّ ذكره" [1] .

وما ذهب إليه اليهود دليلٌ على جهلهم بحقيقة الألوهية، وفساد عقيدتهم وانحرافها، فالله سبحانه لا يوصف بالاستراحة، لأن ذلك مُحالٌ على من اتَّصف بالكمال وتنزَّه عن العيب والنقص. ولذلك ردَّ الله عليهم بقوله: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } [ق: 38] .

وإذا نظرنا إلى مفردة (السبت) في السياق القرآني، نجد أنها وردت في سياق الحديث عن انحراف اليهود، وعدم التزامهم - كعادتهم - بتشريع الله سبحانه وتعالى.

ففيما يتعلق بحرمة هذا اليوم، يقرر النصّ القرآني أنّ اليهود هم الذين اختاروا هذا اليوم لأنفسهم، واختلفوا على نبيهم في أنْ يقبلوا سواه. يقول تعالى:

{ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [النحل: 124] .

قال الرازي:"قوله تعالى: { عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ } ، أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافًا على نبيهم في ذلك اليوم؛ أي لأجله" [2] .

(1) ابن الأنباري: الزاهر في معاني كلمات الناس، ج2، ص138.

(2) الرازي، محمد بن عمر: التفسير الكبير، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط1، 1415هـ/1995م) ، ج7، ص286. وانظر هذا المعنى في: البغوي، الحسين بن مسعود: معالم التنزيل، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1414هـ/ 1993م) ، ج3، ص74. ابن الجوزي، عبد الرحمن: زاد المسير، (بيروت: المكتب الإسلامي، ط3، 1404هـ/1984م) ، ج4، ص505.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت