فهذه الأمثلة وغيرها كثير تدل دلالة كبيرة على إنصاف هؤلاء الأئمة وتجردهم عن الهوى والمحاباة لأي أحد من الخلق لأن الأمر كما قال شعبة وغيره دين ، وبالتالي فإنه لا يحل لمن عنده زيادة علم عن المجروح أن يسكت عما فيه من الجرح، بل لابد أن يبينه للناس ليجتنبوا حديثه وليعذر أمام الله، ولأجل هذا لم يكن شعبة رحمه الله يبالي بتذمر المجروحين منه ودعواتهم عليه ولا بشفاعة الشافعين فيهم كما سبق بيانه، كما قال الحسن بن عمارة: ( الناس كلهم مني في حل ، خلا شعبة فإني لا أجعله في حل حتى أقف أنا وهو بين يدي الله عز وجل فيحكم بيني وبينه ) [1] . لم يُعِرْهُ شعبة أي اهتمام، وبقي يحذر منه حتى مات، قد انبرى للدفاع عن شعبة فيما بعد أبو حاتم محمد بن حبان البستي، حيث قال عقب كلام الحسن بن عمارة السابق: ( كان بلية الحسن بن عمارة أنه كان يدلس عن الثقات ما وضع الضعفاء، كان يسمع من موسى بن مطير وأبي العطوف وأبان بن أبي عياش وأضرابهم ، ثم يسقط أسماءهم ويرويها عن مشايخهم الثقات، فلما رأى شعبة تلك الأحاديث الموضوعة التي يرويها عن أقوام ثقات أنكرها عليه ، وأطلق الجرح ، ولم يعلم أن بينه وبينهم هؤلاء الكذابين، فكان الحسن بن عمارة هو الجاني على نفسه بتدليسهم عن هؤلاء وإسقاطهم من الأخبار، حتى التزقت الموضوعات به ، وأرجو أن الله عز وجل يرفع لشعبة في الجنان درجات لا يبلغها غيره إلا من عمل عمله بذبّه الكذب عمن أخبر الله عز وجل أنه [2] .
المبحث الثالث
عدم الاعتداد بجرح الأقران
(1) انظر: المصدر السابق 9/ 130.
(2) انظر: المصدر السابق 1/299. وانظر: سورة النجم، الآية 3