فقول الرازي أثبت رأي الأكثرين ثم هرب من الزيادة إلى تمحل الاستفهام الذي غرضه التعجب، وما أظن الآية تحتمله فهو إخبار وليس إنشاء، وهناك فرق كبير بين الإنشاء والخبر، وثانيًا أن الزيادة ليست لفظًا مهملًا ولا ضائعًا حتى يكون دخولها كخروجها في الكلام، وإنما جيء بها لغرض ذكره كل من أثبتها في الكتاب العزيز والكلام العربي الفصيح المستشهد والمحتج به.
والآن نأخذ مثلًا الآية"مما خطيئاتهم أغرقوا"لنرى رأي المفسرين والعلماء فيها قال الزمخشري (143) : تقديم"مما خطيئاتهم"لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان، فإدخالهم النار إلا من أجل خطيئاتهم، وأكد هذا المعنى بزيادة"ما"وفي قراءة ابن مسعود"من خطيئاتهم ما أغرقوا"بتأخير الصلة.
وأما أبو حيان (144) : فقد قال و"ما"زائدة للتوكيد وكذلك أبو جعفر النحاس قال (145) :"ما"زائدة للتوكيد، ولا يجوز عند البصريين غير ذلك، والكوفيون يقولون: صلة ثم يرجعون في بعض المواضع إلى الحق وهذا منها، وزعم الفرّاء بأن"ما"هاهنا تفيد، لأن المعنى من أجل خطيئاتهم أغرقوا، واحتج بأن"ما تدل على المجازاة."
لكن الفرّاء في معانيه يقول (146) : العرب تجعل: ما" صلة فيما ينوي به الجزاء، كأنك قلت: من خطيئاتهم ما أغرقوا، وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله، فتأخرها دليل على مذهب الجزاء. قال ابن هشام: (147) وزيدت بعد الخافض كما في قوله تعالى"مما خطيئاتهم"و" فبما رحمة من الله لنت لهم"قال الشاعر (148) :"
ربما ضربةٍ بسيف صقيل ... ... بين بصرى وطعنه نجلاء
وقوله (149) :
أيا طعنة ما شيخٍ ... كبير يفن بالي
أو غير جازمة.