فهرس الكتاب
... ولعل هذا المثال والذي قبله أوضحُ في المقصود وأجدرُ بالتمثيل، لأنهما سيقا ابتداءً للخصوص، بينما في الأمثلة الأخرى سيقت الألفاظ عامة، وقد خصها العقل بغير المستَثْنَيْنَ من: الصبيان ، والمجانين ، وعديمي الأهلية . فلا يعدو أن يكون عامًا خُصَّ منه البعض، غاية ما في الأمر أن دليل الخصوص هو العقل هنا لا غيره، وهذا وحده غير كافٍ لأَنْ يقال: إن اللفظ العام هنا أريد به الخصوص ابتداءً [1] .
... وقد مثل له الشافعي ايضًا بقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) ) [2] ، قال: (فمَخرَجُ اللفظ عام على الناس كلهم، وبيِّن- عند أهل العلم بلسان العرب منهم- أنه إنما يراد بهذا اللفظ العام المَخرَجِ: بعضَ الناس دون بعض؛ لأنه لا يخاطب بهذا إلاّ من يدعو من دون الله إلهًا- تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا-؛ لأن فيهم من المؤمنين المغلوبين على عقولهم، وغير البالغين ممن لا يدعو معه إلهًا) [3] .
... ومثل له ايضًا - رحمه الله تعالى - بقوله تعالى: (( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) ) [4] ، قال: ( فالعلم يحيط - ان شاء الله - أن الناس كلهم لم يحضروا عَرَفة في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ... والآية الأُولى أوضح عند من يجهل لسان العرب من الثانية - وكان قد مثل بقوله تعالى:(( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ) )- ، والثانية أوضح عندهم من الثالثة، وليس يختلف عند العرب وضوح هذه الآيات معًا) [5] .
(1) ينظر: أصول الفقه لخلاّف 185- 186، والوجيز 269- 270 .
(2) سورة الحج: 73 .
(3) الرسالة 37 .
(4) سورة البقرة: من الآية 199 .
(5) الرسالة 37 ، تفسير النصوص 653 - 654 .