فهرس الكتاب
في حين لا يصل صاحب التصور اللغوي من تلك الاراء إلى نتائج محددة ، إذ يرى أن القائلين بالعموم والخصوص والاشتراك قد نظروا إلى ما يأتي خاليًا من القرينة ، وأن القائلين بالتوقف نظروا إلى ما يحتمل ان تصرفه القرينة عن أي منهما ، ويرتضي الاتجاه الاخير (التوقف) ؛ معللًا بأنه تحكيم للقرائن في تحديد المفهوم من الالفاظ . فقد وجد في اللغة كثير من ألفاظ العموم ، وألفاظ الخصوص ، الا ان ذلك بطبيعة الحال يحتاج في تقريره إلى القرائن ، واتجاهها من تحديد مدلول اللفظ بما يحقق مقصد الشارع فيما يرمي اليه ، واضعين نصب اعينهم أهداف الشارع ومقوماته .
ففي قوله تعالى: (( إنما ذلكم الشيطان يخوِّف أولياءَه ) ) [1] ، اشارة الجمع موجهة إلى واحد ، دلت عليه القرينة اللفظية الظاهرة ، والتخصيص هنا لا يعد إنكارًا للعام ، ولكن القرينة هي التي حددت
المطلوب من اللفظ . وقوله تعالى: (( حُرِّمَتْ عليكم أمهاتكم ) ) [2] ، عام لا خصوص فيه .
والى هذا الاتجاه ذهب أحد علماء الغرب هو (بريال) في حديثه عن (تحديد المعنى) حيث يلاحظ ان التطور من الاتساع إلى التضييق هو التطور الطبيعي لتاريخ اللغة، وهذا ما ذهب إليه الأصوليون من قبل في تحديد الدلالة، يظهر من قولهم المشهور ( ما من عام إلا ويتخيل فيه التخصيص ) [3] .
(1) سورة آل عمران 175.
(2) سورة النساء 23.
(3) ينظر: التصور اللغوي 93-96 .