الصفحة 111 من 698

وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن دلالة تلك الصيغ على العموم والاستغراق حاصل في أصل وضعها، ووافقهم الغزالي، ويعد احتجاجه في ذلك افضل من غيره ؛ حيث وصله باستعمال أهل اللغة ، أي: بالعرف ،( فإذا قال السيد لعبده: من دخل داري اليوم فأعطه درهمًا أو رغيفًا ، فأعطى العبد كل داخل ، لم يكن للسيد أن يعترض عليه ، فإن عاتبه في إعطائه واحدًا من الداخلين- مثلًا- وقال: لم أعطيت هذا من جملتهم ، وهو قصير ، وانما أريد الطوال ؟ أو: وهو أسود ، وانما أريد البيض ؟ فللعبد ان يقول: ما أمرتني باعطاء الطوال أو البيض، بل بإعطاء من دخل ، وهذا داخل ! فالعقلاء اذا سمعوا هذا في اللغات كلها رأوا اعتراض السيد ساقطًا ، وعذر العبد متوجهًا . ولو ان العبد أعطى الجميع الا واحدًا فعاتبه سيده قائلًا: لِم لمْ تعطه ؟ فقال: لأنه طويل ، أو أبيض ، وكان لفظك عامًا ، فقلتُ: لعلك أردتَ القصار أو السود ، لو فعل العبد ذلك لاستوجب التأديب . وهكذا يسقط الاعتراض عن مطيع الأمر العام ، ويتوجه على العاصي .

وكذا لو اخبر إنسان قائلًا: ما رأيت اليوم أحدًا ، وكان قد رأى جماعة: فان كلامه يعد كذبًا ولا يصح ان يفهم من قوله انه أراد أحدًا غير تلك الجماعة ) [1] .

وهكذا يثبت الغزالي مع الجمهور إفادة ألفاظ العموم في اصل وضعها للاستغراق ، ما لم يقم دليل من قرائن لفظية أو حالية- محيطة بالخطاب- على تخصيصها، على ما سيأتي في تخصيص العام ، وهو الرأي الذي نميل إليه ؛ لقربه إلى واقع الاستعمال اللغوي .

أقسام صيغ العموم:

ظهر لنا مما تقدم وجود ألفاظ وصيغ وضعت للعموم واستعملت فيه حقيقة . وقد قسمها العلماء باعتبارات متعددة ومختلفة فيما بينهم ، أهمها ما يأتي:

(1) المستصفى 328 - 329 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت