الصفحة 148 من 698

ونوقش ذلك بان ظنية العام عند الجمهور قد راعوا فيها ما ذكرنا من جانبي اللغة: وضعها الاصلي ، حيث لا يمكن اغفال ما وضعت له ألفاظ العام من دلالة على شمول واستغراق افرادها ، فاوجبوا العمل به حتى ظهور المخصص الفعلي . والجانب الآخر هو عرف الاستعمال الشرعي لهذه الصيغ ، إذ غلب تخصيصها ، وقد صرح السيوطي بأنه لم يجد من النصوص التشريعية المتعلقة بالاحكام الفرعية الا آية واحدة بقيت على عمومها ، وهي قوله تعالى: (( حرمت عليكم أمهاتكم ) ) [1] . وهذا ما ينبغي اعتباره ؛ لأنه قرينة عامة تنبه على احتمالية الخصوص في العام المطلق ؛ لأنه ( لا قطع بعدم القرينة إلاّ نادرًا ) [2] . وبمراعاة هذه القرينة قالوا بظنية العام .

وإذا كان الحنفية قد راعوا الجانب الوضعي للغة دون استعمالها، فإن نقاشهم ينصب على موضوع يتعلق باستعمالها لا بوضعها ، ( وبحث الاجتهاد التشريعي يستهدف تحديد الدلالات التشريعية ؛ لانها قوام إرادات الشارع التي يتكون من مجموعها منطق التشريع وروحه ) [3] .

وأيضًا فان الجمهور حكموا على العام بالظنية كما حكموا على الخاص بالقطعية ، انطلاقًا من الاستقراء الذي أثبت ان الشارع لم يصرف الخاص عن حقيقته اللغوية غالبًا في نصوص الشرع. ولهذا فقياس الحنفية للعام على الخاص - في قطعية الدلالة - غير صحيح ؛ لوجود الفارق بينهما؛ لان دلالة الخاص الوضعية مرادة من الشارع، ودلالة العام الوضعية غير مرادة . فحكموا - بناءً على قصدية الشارع- بقطعية الخاص وظنية العام .

(1) سورة النساء 23 .

(2) التلويح 1/51 .

(3) المناهج الاصولية 543 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت