فهرس الكتاب
وقد نبه الغزالي على ان العرب تستعمل الالفاظ العامة، وهم لا يرون الاستغراق التام لجميع الافراد، فاحتمال التخصيص وارد، فالانسان ( قد يعبر بلفظ العموم عن كل ما تمثل في ذهنه وحضر في فكره ، فيقول - مثلا-: ليس للقاتل من ميراث شيء . فاذا قيل له: فالجلاد ، والقاتل قصاصًا ، لِمَ يرث ؟ فيقول: ما اردت هذا ، ولم يخطر لي بالبال . ويقول: للبنت النصف في الميراث. فيقال: فالبنت الرقيقة ، والكافرة ، لا ترث شيئًا . فيقول: ما خطر ببالي هذا ، وانما أردت غير الرقيقة والكافرة ... .. فهذا من كلام العرب) [1] .
وكذلك نبه الشاطبي على مثل ذلك ، فذكر ان للألفاظ في أصل وضعها ( مجردة عن القرائن ) معاني تدل عليها؛ وانها تتغير بحسب مقاصد الاستعمال؛ فـ (المتكلم قد يأتي بلفظ عموم ، مما يشمل بحسب الوضع: نفسه وغيره ، وهو لا يريد نفسه ، ولا يريد انه داخل في مقتضى العموم، وكذلك قد يقصد بالعموم صنفًا مما يصلح اللفظ له في اصل الوضع، دون غيره من الأصناف، كما انه قد يذكر البعض ومراده من ذكر البعض: الجميع ، كما تقول: فلان يملك المشرق والمغرب. والمراد: الأرض . ومنه: قوله تعالى:( رب المشرقين ورب المغربين ) [2] . واذا قال: ( أكرمت الناس ) ، أو: ( قاتلت الكفار ) فانما المقصود: مَن لَقِيَ منهم ) [3] .
اما عن دلالته بعد التخصيص ، فقد اتفق الاصوليون على ظنيته .
وتناولنا فيما سبق دلالة العام الذي لم تصحبه قرينة. لكن اختلف القائلون بقطعيته هناك، في ظنيته هنا: فمنهم من ذهب إلى ظنيته اذا خص بكلام مستقل موصول، ومنهم من ذهب إلى غير ذلك. وكذلك في كونه بعد التخصيص حقيقة أو مجازًا في الباقي ، وفي تَرتُّبِ حجيته أو عدمها على ذلك [4] .
1 أصول الفقه للزلمي 366 .
2 ينظر: م . س 366 .