فهرس الكتاب
... ولعل عناية الاصوليين بالاتصال الزمني - شرطًا - جاء من ثقافتهم العقلية الكلامية ، التي تتسم بها نقاشاتهم ، حتى بالغ بعضهم في الاعتماد عليها، فدرسوا اوضاع اللغة بنظرة عقلية مجردة بعيدة احيانًا عن واقع اللغة واستعمالها، الامر الذي رده حُذّاقُ الاصوليين بقولهم: ( لا مجال للعقل في اللغات ) وأنه: ( لا قياس في اللغات ) . ومن ذلك مخالفة البعض لشرط الاتصال الزمني ؛ محتجين لامكان الفاصل الزمني هنا بان الاستثناء ( بيان وتخصيص للكلام الاول ، فجاز تأخيره كالنسخ والادلة المنفصلة المخصصة للعموم ) [1] . وهي حجة منطقية بعيدة عن واقع اللغة؛ لاننا لا نجد في الاستعمالات اللغوية، ولا في عادة اهل اللغة ان يتكلم المتكلم بالعبارة ، ثم يستثني منها بعد ساعة أو شهر. لذلك رد الجمهور على هذه الحجة بانه: لا مجال في اللغات للعقل المجرد عن واقع الاستعمال اللغوي . فأحكام اللغة لا يقررها المنطق العقلي المجرد؛ فيجيز التعبير بها. وانما تؤخذ اوضاع اللغة واحكامها باستقراء ظواهرها كما نطق بها اهلها، أو ما يمكن تسميته: (منطق اللغة) . وتلك ظاهرة تختلف عن ظاهرة التفكير العقلي ، فلِكُل ظاهرة عالَمُها المستقل، وانه ( ان جاز القياس في اللغة فينبغي ان يقاس عليه الشرط والخبر ، ولا ذاهب إليه ؛ لانه: لا قياس في اللغات. وكيف يشبه بأدلة التخصيص وقوله:( الا زيدًا ) ، يخرج عن كونه مفهومًا ، فضلًا عن ان يكون إتمامًا للكلام الاول ) [2] .
وقد قال العلماء عامة: ( إن الاستثناء من باب اللغة . وهم لم يتكلموا بالاستثناء المنفصل ) [3] .
(1) احكام الامدي 2/421 .
(2) المستصفى 364 ، وينظر: دراسة المعنى 44 - 45 .
(3) ميزان الاصول 1/456 .