الصفحة 175 من 698

... وهذه الصورة هي التي ورد فيها الخلاف، فذهب جمهور الاصوليين والفقهاء إلى عوده على الجميع الا اذا دل دليل على خلافه معلِّلين ؛ بأن الرجوع إلى الكل هو الظاهر، ولا يعدل عن الظاهر الا بدليل.

وذهب بعضهم كالحنفية إلى عوده إلى الجملة الأخيرة فقط الا اذا وجد دليل على خلافه؛ لانه المتعين، ولان عوده على ما قبله للضرورة، والضرورات تقدر بقدرها، فهي تندفع بالرجوع إلى واحدة منها، فتتعين الأخيرة ؛ لقربها.

وذهب القاضي ابو بكر الباقلاني والغزالي وجماعة من الاصوليين إلى انه يحتمل الامرين؛ فيتوقف فيه إلى ان يدل الدليل على ارادة احدهما دون الآخر [1] .

... ولكل فريق حجاج طويل فيما يرى ، نكتفي بالإحالة إليه دفعًا للاطالة .

على ان للمعتزلة رأيا وسطا بين شمول الاستثناء لجميع الجمل، واقتصاره على الجملة الأخيرة ، وهو ما ذهب إليه الشريف المرتضى [2] من الإمامية ، اذ يرون انه اذا كان الشروع في الجملة الثانية اضرابًا عن الاولى ، ولا يضمر فيها شي مما في الاولى- مما ينبئ عن اتصالها بها- ، فالاستثناء حينئذ مختص بالجملة الأخيرة ؛ لان المتكلم لم ينتقل عن الجملة الاولى إلى التي تليها الا بعد تمام مقصوده منها. اما عند تعلق الجملة الأخيرة بالاولى فالاستثناء يرجع حينئذ إلى الكل.

وهذا يقترب من اتجاه الشافعية- الذي يتمثل فيه رأي الجمهور- ؛ ذلك ان استقلال الجمل واتصالها يفهم من السياق ، ولذلك يمكن عود الاستثناء عليها جميعًا ، اذا كانت بينها صلة ، أو على الأخيرة ، اذا انقطعت تلك الصلة [3] .

(1) ينظر: المستصفى 366 - 368 ، واحكام الامدي 2/438 - 451 ، وطرق البيان 225 فما بعدها .

(2) هو علي بن الحسين بن موسى ، متكلم اصولي إمامي ( ت436هـ ببغداد ) : ( تاريخ بغداد 11/402 ، معجم المؤلفين 7/81 ) .

(3) ينظر: احكام الفصول للباجي 277، والمستصفى 2/274، واحكام الامدي 2/438 - 439 ، ودراسة المعنى 53 ، وطرق البيان 226- 227 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت