فهرس الكتاب
ويمكن وصف هذا الاتجاه بمعقولية الحكم ، وهو اتجاه يغلب على أبحاث الأصوليين وعلى الشافعية خاصة، تعمقًا منهم لأساليب اللغة للوقوف على المداليل ومساراتها.
وأيضًا لا ننسى ان الغموض لا يقنع المعتزلة، وهم يخضعون مسائلهم دومًا للعقل ، حتى بالغوا في ذلك أحيانًا [1] .
ويختار الامدي موقفًا وسطًا بين المعتزلة والواقفية ، فيرى انه عند ظهور كون الواو للابتداء فالاستثناء يختص بالجملة الأخيرة ، كما يرى التزام الوقف عند احتمال الواو والعطف والابتداء [2] .
ويرجح طاهر سليمان حمودة رأي المعتزلة ؛ ( لانه يمتاز بتحليل طبيعة التركيب السابق ، وهل الجمل السابقة متصلة أو منفصلة . ولكنه على الرغم من ذلك لا يقدم حلًا شافيًا بالنسبة إلى النصوص المكتوبة(غير المنطوقة) ، حيث يحتمل العاطف - في مواضع غير قليلة - معنى العطف ومعنى الاستئناف ) [3] .
ومثال ذلك قوله تعالى: (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) [4] . فهذا الاستثناء جاء بعد ثلاث جمل، فاصحاب الرأي الاول يصرفونه إلى جميع الجمل ، لكن دل دليل خارجي على عدم تعلقه بالجملة الاولى ، وهو طلب الجلد ؛ لانه عقوبة جسدية لا تسقط بالتوبة . ولم يخرج الدليل غيرها من تعليق الاستثناء به . فاذا تاب زال عنه اسم الفسق، وقبلت شهادته .
بينما على الرأي الثاني: الاستثناء يتعلق بالجملة الأخيرة فقط ، فيزول عنه اسم الفسق بالتوبة؛ استنادًا إلى القاعدة الاصولية في عدم قبول شهادة الفاسق الا بعد التوبة. وليس هناك دليل على تعلقه بما قبلها، فيبقى على ما هو عليه.
(1) ينظر: التصور اللغوي 86 .
(2) ينظر: احكام الامدي 2/440 .
(3) دراسة المعنى 53 .
(4) سورة النور: 3 ، 5 .