فهرس الكتاب
وخالف في ذلك قلة ، فرأوا أن كونه متكلما يخرجه من كونه مرادا من عموم لفظ خطابه. ولا دليل على دعواهم من عرف لغوي أو شرعي. وقد احتجوا بقوله تعالى: (( الله خالق كل شيء ) ) [1] ، اذ هو - سبحانه - لم يدخل في عموم خبره ؛ لاستحالة كونه خالقا لذاته وصفاته . واحتجوا ايضا بما اذا قال السيد لخادمه: ( من دخل داري فتصدق عليه بمال ) ، اذ لا يصح ان يتصدق العبد على سيده ، اذا كان من جملة الداخلين .
لكن عدم شمول اللفظ العام للمتكلم في الموضعين السابقين لا يرجع الى مجرد كونه متكلما ، بل يرجع الى القرائن العقلية والحالية المحيطة بالنص، فهي التي تدل على خروجه من دلالة اللفظ العام عليه من جهة الحكم . وذلك اعتمادا على العقل في الاول ، وعليه وعلى الذوق ( أي: العرف ) الاجتماعي في الثاني .
وهكذا التبس على اصحاب هذا الرأي دلالة اللفظ مجردا ، بدلالته بالقرائن [2] .
وهنا ايضا نلاحظ اهتمام الاصوليين بعنصر آخر من عناصر الكلام، هو المتكلم ، فان تنوعه يؤثر في توجيه المعنى الذي يتضمنه كلامه من حيث شموله به او عدمه .
تعميم العام بمعنى المدح او الذم:
إذا سيق العام لغرض آخر غير العموم كالمدح أو الذم وغيرهما ، فهل يعتد بعمومه أوْ لا [3] ؟ وذلك كقوله تعالى: (( إن الأبرار لفي نعيم ) ) [4] .
ذهب اكثر الاصوليين الى ان العام لدى استعماله في هذه الحالة يعم مطلقا ، كما يعم وضعا .
واشترط بعضهم ان لا يعارض بعام آخر او خاص ، سيقا لغرض غير المدح او الذم . ومنهم من ذهب الى عدم عمومه مطلقا .
(1) سورة الزُّمَر: من الآية 62 .
(2) ينظر: إحكام الآمدي 255 ، ومختصر المنتهى 2/182 ، ومنافع الدقائق 59 ، ودراسة المعنى 60-61 .
(3) ينظر: حاشية البناني: 1/422 .
(4) سورة الانفطار: 13 .